الحجاب بين سلطة الدولة وحرية الاعتقاد

<p>إلى الدكتور مصطفى عاشور، المفكر والباحث في الشأن الفكري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الموضوع: الحجاب بين سلطة الدولة وحرية الاعتقاد والحق في التعليم دكتور مصطفى، أود أن أطرح على فكركم وقراءتكم التحليلية ظاهرة تستحق التأمل، تتكرر في بلدان إسلامية مختلفة، رغم تباين أنظمتها السياسية واختلاف ظروفها التاريخية، وهي تدخل الدولة في لباس المرأة المسلمة، وما قد يترتب على ذلك من إقصاء أو حرمان من التعليم والعمل والوجود في الفضاء العام.</p><p> تستوقفني في هذا السياق ثلاث محطات: ما يُروى عن ممارسات قسرية لنزع الحجاب في سوريا خلال ثمانينيات القرن الماضي، وقيود الحجاب التي اشتدت في الجامعات التركية عقب أحداث 28 فبراير 1997، وما تشهده أذربيجان في عام 2026 من جدل حول قواعد الزي المدرسي، وما رافق تطبيقها من منع طالبات محجبات من دخول بعض المدارس. </p><p> وعلى الرغم من اختلاف هذه الحالات في سياقاتها السياسية والقانونية، فإنها تثير سؤالًا مشتركًا: لماذا يتحول لباس المرأة، الذي يرتبط لدى كثير من المسلمات بقناعتهن الدينية وهويتهن، إلى موضع صراع بين الفرد والدولة، وقد يصل الأمر إلى وضع الفتاة أمام خيار مؤلم بين التمسك بما تؤمن به ومواصلة تعليمها؟</p><p> أرجو منكم إضاءة هذه القضية من منظور فكري وفلسفي، من خلال الأسئلة الآتية: أولًا: العلمانية وحدود سلطة الدولة كيف يمكن تفسير تحوّل بعض التطبيقات العلمانية من مبدأ يُفترض أن ينظم علاقة الدولة بالدين إلى سياسات تقيّد الممارسة الدينية للأفراد؟ ومتى يتحول تنظيم المظهر في المؤسسات العامة إلى فرض أيديولوجي يتعارض مع حرية الاعتقاد والتعددية؟</p><p> ثانيًا: لماذا يصبح جسد المرأة ساحة للصراع الأيديولوجي؟ لماذا تتخذ الصراعات بين الدولة والهوية الدينية مظهرًا واضحًا في لباس المرأة، حتى يصبح حجابها أحيانًا معيارًا لمدى امتثالها لتصور السلطة عن المجتمع؟ وما الذي يكشفه ذلك عن علاقة السياسة بالمرأة والدين والهوية؟</p><p>ثالثًا: الحداثة وحقوق الإنسان كيف يمكن التوفيق بين الشعارات التي ترفعها بعض الدول باسم التحديث والتنوير، وبين سياسات قد تؤدي إلى حرمان فتيات من حقهن في التعليم بسبب لباسهن الديني؟ وهل يكشف ذلك عن تناقض في مفهوم الحداثة نفسه، أم عن توظيف سياسي انتقائي لمبادئها؟</p><p>رابعًا: الحجاب بين القناعة الشخصية والهوية الجماعية ما الذي يجعل بعض الفتيات والنساء يتمسكن بالحجاب رغم ما قد يتحملنه من ضغوط اجتماعية أو خسائر تعليمية ومهنية؟ وكيف نفهم هذه المقاومة: أهي تعبير عن حرية الاختيار وقوة الانتماء الديني، أم أنها تتداخل أحيانًا مع عوامل اجتماعية وثقافية أوسع؟</p><p> خامسًا: أزمة الدولة الحديثة وعلاقتها بهوية المجتمع هل تكشف هذه الحالات عن أزمة في بنية الدولة القومية الحديثة حين تعجز عن إدارة الاختلاف الديني والثقافي دون اللجوء إلى الإقصاء؟ وكيف يمكن بناء دولة تحمي حياد مؤسساتها، من دون أن تجعل هذا الحياد أداة لفرض نمط واحد من السلوك أو المظهر على المواطنين؟</p><p> دكتور مصطفى، لا أطرح هذه الأسئلة لمجرد إدانة نموذج سياسي بعينه، وإنما رغبة في فهم الجذور الفكرية لهذه الظاهرة، والتمييز بين العلمانية بوصفها تصورًا لعلاقة الدولة بالدين، وبين الممارسات السلطوية التي قد تُمارس باسمها. فالقضية، في نظري، لا تتعلق بالحجاب وحده، بل بحدود سلطة الدولة على الفرد، وبقدرة المجتمعات الحديثة على التوفيق بين النظام العام والحرية الدينية، وبين المواطنة واحترام الهوية. فهل نحن أمام تجاوزات سياسية عابرة، أم أمام إشكال فكري أعمق في تصور الدولة الحديثة للإنسان والدين والحرية؟</p><p> أتطلع إلى قراءتكم وتحليلكم لهذه القضية، لما تثيره من أسئلة تمس حاضر مجتمعاتنا ومستقبل العلاقة بين الدولة والهوية والحرية. وتفضلوا بقبول خالص الاحترام والتقدير.</p>

أخي الكريم، حياكم الله بالخير والبركات على إضافاتكم القيمة، وليس سؤالكم حول الحجاب، تلك المسألة التي تتجاوز حدود تغطية الرأس، إلى قضايا أخرى متعددة، منها موقف العلمانية من حرية الفرد، ومدى تحول العلمانية إلى ما يشبه الدين له فروضه وفرائضه التي يُجبر الناس على الالتزام بها، متخطيةً بذلك مقولاتها وشعاراتها فيما يتعلق بحرية الفرد وحياد الدولة تجاه المعتقد.

 

الحجاب والعلمانية وتدخلات الدولة

 

أخي الكريم، أتفق معكم أن الدولة بنموذجها الحديث أصبحت أكثر تدخلاً وتحكمًا في حياة المواطن من العصور السابقة، رغم ما يبدو في الظاهر أن سلطة الدولة منكمشة فيما يتعلق بحرية الفرد واختياراته، ولعل التأميم المتتالي والمتدرج والبطيء الذي تمارسه الدولة في تأميم حرية الفرد واستقلاله وتدجينه، من المداخل المهمة لنقاش مسألة الحجاب، نظرًا لعدة اعتبارات من أهمها:

 

أن تدخلات الدولة لن تقتصر على الحجاب، لكن ستتعداه إلى بقية الجوانب التي يستقل فيها الفرد عن الدولة في التعليم والزواج ونمط الحياة حتى يكاد ينحصر معتقد الفرد داخل جدران قفصه الصدري دون أي تجلٍّ لهذا المعتقد في المجال العام.

 

وإذا كانت تعاليم المسيحية أنتجت شعارًا لاهوتيًّا هو "كنيستك في قلبك" وهو ما عمّق مفهوم الفصل بين الديني والدنيوي، وهو مبدأ استغلته العلمانية لتأكيد هذا الفصل في مجال الدولة والسلطة بعد ذلك في سياق الدولة الحديثة، غير أن الإسلام يجعل من المجال العام مسجدًا يُمارس فيه المعتقد، وكما جاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري "جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا".

 

والحقيقة أن التجلي للمعتقد الإسلامي لا ينحصر في جدران الذات والصدر، ولكن يتعداه إلى الأرض لجعلها مكان تطهر وعبادة وصلاح وإصلاح، وعند هذه النقطة تبدأ التداخلات والأزمات بين تلك العلمانية، الساعية لإنشاء الدولة وفق نموذجها، وترسيخ قيم العلمانية كمعيار حاكم لعلاقات السلطة والمجتمع، وبين حقائق الإسلام الكبيرة الرافضة أن تبقى حبيسة الصدور.

 

وإذا كانت العلمانية في الدولة الحديثة جاءت في سياق تحرري يضمن حرية الفرد وحرية الاعتقاد لمواجهة هيمنة الكنيسة، فإن العلمانية تحولت في بعض المجتمعات لتصبح أداة معيارية تحاصر الممارسات الدينية وتزيحها من المجال العام مستخدمةً في ذلك سلطة الدولة وأدوات إكراهها، وهو ما حول العلمانية إلى "أيديولوجيا" تهدف إعادة صياغة المجال العام وفق رؤاها.

 

الحجاب والدولة الوحش

 

في القرن السابع عشر الميلادي تحدث الفيلسوف الإنجليزي "توماس هوبز" في كتابه الشهير "اللفياثان" الصادر عام (1651م) عن مفهوم الدولة الوحش، حيث شبه "اللفياثان" ذلك الوحش البحري الأسطوري المذكور في العهد القديم، بالدولة القوية والمستبدة ذات السيادة المطلقة، بعدما سلم لها الأفراد حرياتهم مقابل تحقيقها للأمن.

 

نموذج الدولة الحديثة أصبح يشبه نموذج "اللفياثان" في امتدادها إلى كافة أنشطة الحياة واحتكارها الواسع لتلك المجالات، ومع وجود العلمانية في مخيلتها وذاكرتها ورؤيتها، أصبح النموذج العلماني شديد الشراسة لامتلاكه تلك الدولة أو "اللفياثيان" وأدواتها السلطوية.

 

وحسب مفهوم "الدولة الوحش" لا يمكن ترك الفضاء العام للتنافس بين الهويات المتنوعة دينيًّا وعرقيًّا، خوفًا من تفكك الدولة، ومن ثم فرضت تلك الدولة معاييرها الموحدة على الجميع، معتبرةً أن تحييد الرموز الدينية ومن بينها الحجاب، هو ما يحافظ على الأمن ويمنع التفكك، ورأت تلك الدولة أن تغييب التنوع هو ما يحقق التماسك والهيمنة والسيادة، وهو ما أعطى للسلطة الحق في اتخاذ ما تراه من وسائل وإجراءات وسن قوانين لمنع "شبح الفوضى" في حال تصارع وتنافس الهويات والعرقيات في المجال العام من خلال تعبيرها عن رموزها الهوياتية مثل ارتداء الحجاب.

 

أخي الكريم، وعند هذه النقطة تصبح الدولة هي الحكم الوحيد الذي يحدد المعايير، ولها السلطة في تحديد الخطر وما يهدد الأمن القومي، وما يجلب الفوضى للمجتمع، وبالتالي لها الحق في إصدار ما تريد من قوانين، وتقييد ما تشاء من حريات، ومنع هويات معينة من التعبير عن نفسها، دون أن يكون لأي جهة أو فرد إشهار مبدأ الحريات في وجه تلك الدولة.

 

موضوعات ذات صلة

ما الخلفيات الفكرية لمنع الحجاب في أذربيجان؟

أزمات الحجاب لماذا تتكرر؟

العلمانية وثقافة الإقصاء

ما بعد العلمانية.. ومستقبل الدين

ما هو دور الشعائر الدينية في تحقيق التماسك الاجتماعي؟

كيف نظر العلمانيون العرب إلى الحج؟

شعيرة الصيام.. كيف تؤثر في هوية المجتمع؟