رجل ابنته على وشك الزواج قريبا حاول أن يقترض ليجهزها فلم يجد من يعطيه قرضا حسنا، إلا أن أحد الأشخاص وافق أن يقرضه مبلغا بسيطا لمدة محددة لكن عند أخذ المال سيأخذ مبلغا زائدا عما اقترضه ألفين جنيه، وبسبب الاضطرار ولقرب زواج ابنته اضطر أن يأخذ المال، علما أنه ذهب للمحلات التي تقسط في منطقته فطلبوا منه مبلغا كبيرا كعربون للتقسيط، فما الحكم الشرعي في ذلك، علما أنه سيشتري بالمبلغ أشياء أساسية في جهاز ابنته وليست كماليات؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة
الإسلامية جاءت لحفظ الدين والنفس والمال، وسدت كل الذرائع المؤدية إلى استغلال
حاجة الناس، ورغم تفهم الدافع العاطفي للأب وحرصه على إتمام زواج ابنته وسترها،
إلا أن الغايات النبيلة في الإسلام لا تبرر الوسائل المحرمة. وقد حذّر الله تعالى
من الربا وتوعد أهله بحرب من الله ورسوله، وجعل أحكامه قاطعة لا تُستباح إلا في
حالات الضرورة القصوى التي حددها الشرع بضوابط دقيقة.
اختصارًا:
يتعاطف
المرء أحيانًا مع صاحب السؤال إلى الحد الذي يتمنى من داخل قلبه أن يمد له يد
العون بالمال، أو يتمنى لو كان الحكم الشرعي يأتي في صالحه، والأنكى أننا محكومون
بأعراف يمكن للغني القادر أن يتفلت منها، ولا يمكن للفقير المحتاج أن يحيد عنها،
فقط لفقره وحاجته، التوبة والاستغفار من الذنب ـ بما أنه قد وقع فعلاً ـ واجبان
على أية حال، والله غفور رحيم.
وطبعًا
كان هناك حل شرعي، أن يطلب من صاحب المال أن يشتري له ما أراد من جهاز العروس، ثم
يقسطه له على أقساط، مما اتفق اصطلاحًا على تسميته المرابحة للآمر بالشراء، وإن
كانت لا تزال هناك فرصة لفعل هذا فأنصحه بشدة أن يفعل ذلك، فالوقوع في الربا ليس
أمرًا سهلاً.
وأتفهم
إلى أبعد حد مدى الضغوط النفسية والمجتمعية الملقاة على عاتق الأب، كان الله في
عونه وغفر له.
ولكن
القواعد الشرعية تقرر أنه يحرم على الأب أخذ هذا القرض؛ لأنه ربا نسيئة صريح،
والزيادة المشترطة هي عين الربا المحرم بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة، ولا
يُعد تجهيز البنت للزواج ـ ولو بالأشياء الأساسية ـ من "الضرورات"
الشرعية التي تبيح ارتكاب كبيرة الربا، وعجز الأب عن إيجاد القرض الحسن أو دفع
عربون التقسيط لا يبيح له اللجوء إلى الحرام، والواجب عليه الاكتفاء بما يملك، أو
تأجيل الزواج، أو الاتفاق مع الخاطب على التيسير وإسقاط التكاليف التي تعجز الأب
وتوقعه في الإثم.
ولعل
الحرج الشديد الذي أنشأه المجتمع، والذي يدفع أحيانًا ببعض ذوي النفوس الهشة إلى
الانتحار والعياذ بالله، يشفع له عند الله، ويحميه من عاقبة الربا وأثره المدمر.
وتفصيلاً:
أولاً:
التكييف الشرعي للقرض المشروط بزيادة الألفي جنيه:
القرض
الذي اشترط فيه المقرض أخذ زيادة ثابتة عند السداد هو من "ربا القروض"
أو "ربا الجاهلية" المتفق على تحريمه.
الدليل
من القرآن: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]،
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا
بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278-279].
الدليل
من السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا،
وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ». (والأب هنا هو
مُوكل الربا).
إجماع
الأمة بلا نكير: قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتابه
(المغني): "وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ، فَهُوَ حَرَامٌ،
بِغَيْرِ خِلَافٍ... قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِفَ
إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَلْفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً، فَأَسْلَفَ عَلَى
ذَلِكَ أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ رِبًا".
ثانيًا:
مناقشة مفهوم "الاضطرار" وشراء "الأشياء الأساسية":
الضرورة
التي تبيح المحظور في الشريعة لها ضابط محدد، وهو الخوف على النفس من الهلاك، أو
تلف عضو، أو الجوع والعطش المهلك. أما تجهيز العروس ـ ولو بالأساسيات ـ فهو يدخل
في باب "الحاجيات" أو "التحسينيات"، ولا يصل أبدًا إلى حد
"الضرورة".
قال
الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه (الأشباه والنظائر) في تعريف الضرورة:
"الضَّرُورَةُ: بُلُوغُهُ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَمْنُوعَ هَلَكَ
أَوْ قَارَبَ، كَإِضْجَاعِهِ مُكْتَفًا وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِهِ".
وبناءً
عليه، فإن عدم شراء هذه الأساسيات قد يسبب حرجًا اجتماعيًّا أو ضيقًا، لكنه لا
يهلك النفس، فلا يستباح به الربا. والأصل في الشريعة أن تجهيز بيت الزوجية يقع على
عاتق الزوج من مهره، وما أُلزم به الآباء من أعراف مرهقة لا تبرر لهم ارتكاب
الكبائر.
ثالثًا:
مناقشة غياب البدائل (انعدام القرض الحسن وغلاء التقسيط):
عجز
المسلم عن إيجاد طريق حلال لتحصيل منفعة ما كشراء جهاز العروس لا يبرر له اللجوء
للحرام، والشرع الحنيف قد وضع المخرج من ذلك بالدعوة إلى تيسير النكاح وتقليل
المؤن. أخرج الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ
بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً».
والواجب
على هذا الأب أن يصارح الخاطب بحدود استطاعته، وأن يشتري ما يقدر عليه بماله
الحلال فقط، أو يتفق مع الطرف الآخر على تأجيل بعض المشتريات إلى ما بعد الزواج
حين تتيسر الأمور.
القواعد
الفقهية الحاكمة في الاقتراض لتجهيز الأب ابنته:
كُلُّ
قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا: وهي قاعدة فقهية مجمع عليها،
مستنبطة من أصول الشريعة، وتنطبق انطباقًا تامًّا على القرض المذكور؛ لاشتراط
المقرض منفعة مالية مقطوعة زيادة على أصل المال.
الضَّرُورَاتُ
تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ بقيد الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا: والمحظور هنا وهو الربا لم توجد له ضرورة شرعية معتبرة تبيحه، فتنتفي إباحته.
الحَاجَةُ
لا تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي إِبَاحَةِ الرِّبَا: تجهيز الزواج حاجة اجتماعية ومعيشية، والربا من أغلظ المحرمات التي لا تُستباح
بمجرد الحاجات.
دَرْءُ
المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ: مفسدة الوقوع في
كبيرة الربا وما يترتب عليها من محق البركة وغضب الله، أشد خطرًا وأولى بالدفع من
مصلحة تجميل صورة الأب أمام الخاطب أو إتمام جهاز البنت في الوقت الحالي. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
جهاز العروس.. هل يبيح القرض الربوي؟