<p>استشارة فقهية إلى فضيلة الشيخ المفتي العالم الفقيه الدكتور رَجَب، حفظه الله ونفع بعلمه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ، جزاكم الله خيرًا وبارك في علمكم. نعلم أن الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج عن المسلمين، وشرعت رخصًا تراعي أحوالهم وظروفهم، مثل المسح على الخفين والجوربين والجبيرة والعصابة. أنا امرأة موظفة، محجبة ومنتقبة، وأقضي ساعات طويلة في العمل، وأجد مشقة كبيرة في فك الحجاب وإعادة تثبيته عند كل وضوء، خاصة أنني أحرص على الالتزام بالحجاب الشرعي، وأحتاج إلى الوضوء لأداء الصلوات خلال ساعات العمل.</p><p> ومن هنا أود أن أسأل فضيلتكم: هل يجوز لي قياسًا على الرخص الشرعية التي شرعت للتيسير على المسلم أن أمسح على الحجاب الذي يغطي رأسي بدلًا من المسح على الشعر مباشرة؟ وهل يمكن اعتبار الحجاب في هذه الحالة من قبيل ما يجوز المسح عليه رفعًا للمشقة والحرج، أم أن المسح على الرأس مباشرة شرط لا يصح الوضوء بدونه؟</p><p> كما أنني سمعت أن مقدار المسح على الرأس يختلف بين المذاهب الفقهية؛ ففي المذهب الحنفي يُجزئ مسح ربع الرأس، بينما يُجزئ عند الشافعية مسح بعض شعر الرأس، وقد سمعت أن أقل ما يجزئ شعرة واحدة، ولا أعلم مدى صحة هذه المعلومة. فهل يمكنني الأخذ بقول معتبر من أقوال المذاهب في هذه المسألة، بما يخفف عني مشقة فك الحجاب، أم يجوز لي المسح على غطاء الرأس نفسه؟</p><p> أرجو من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة، وتوضيح ما إذا كان هناك قول معتبر يجيز للمرأة المسح على حجابها، لا سيما في حالتي التي تستلزم البقاء في العمل لساعات طويلة، ويشق معها فك الحجاب وإعادة ترتيبه عند كل وضوء. جزاكم الله عنّا خير الجزاء، وبارك في علمكم وعملكم، ونفع بكم الإسلام والمسلمين.</p>
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، الشريعة
الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج، وقد راعت أحوال المكلفين في عباداتهم
لضمان استمرارهم على الطاعة دون مشقة بالغة. ونسأل الله أن يبارك في حرصك على
التمسك بالحجاب الشرعي في بيئة العمل. إن مسألة مسح المرأة على خمارها أو حجابها،
وتحديد القدر المجزئ في مسح الرأس، من المسائل التي بحثها الفقهاء قديمًا وتتسع
لظروف المرأة المعاصرة، وفي أقوال المذاهب المعتبرة سعة ترفع عنك الحرج تمامًا دون
الإخلال بصحة الوضوء.
اختصارًا:
اعذريني
أختنا الكريمة وراسلينا مرة أخرى إن كان فهمي خاطئًا، فلا أستطيع أن أدرك أين
الصعوبة في وصول يد المرأة المبللة بالماء إلى شعرها من تحت الحجاب؟ كل ما تحتاجين
إليه هو إدخال يدك المبللة في المكان المخصص لوضوء السيدات، من تحت قماش الخمار
لمسح جزء من مؤخرة الرأس أو مقدمته حسبما يتيسر وقدر ما تستطيعين، وبالطبع يسعك
اجتهاد السادة الشافعية بالاكتفاء بمسح ثلاث شعرات فأكثر، بل إن أطراف الأصابع
عندما تمسح على مؤخرة الرأس أو مقدمته من تحت الحجاب سوف تمسح آلاف الشعرات، وسوف
تُجزئ إن شاء الله عن واجب المسح الذي هو ركن من أركان الوضوء، دون أية حاجة لفك
الحجاب أو نقضه.
وأنا
هنا أقيس الأمر على الحجاب الذي تستعمله في العادة زوجتي، وبناتي وأراقبهن أثناء
الوضوء فلا أرى مشقة في الوصول إلى جزء من الشعر.
وتفصيلاً:
أولاً:
حكم المسح على غطاء الرأس أو الخمار
أو حجاب المرأة:
اختلف
الفقهاء في جواز مسح المرأة على خمارها من غير أن يمس الماء شعرها:
مذهب
الجمهور الحنفية، والمالكية، والشافعية: لا يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها فقط،
بل يجب أن يمس الماء جزءًا من رأسها أو شعرها. واستدلوا بقوله تعالى: {وَامْسَحُوا
بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، والمسح على الغطاء المنفصل لا يسمى مسحًا على الرأس.
مذهب
الحنابلة: أجازوا للمرأة المسح على الخمار إذا كان يُدار تحت الحنك أي محكمًا ويشق
نزعه، قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله في المغني: "وَهَلْ يَجُوزُ
لِلْمَرْأَةِ الْمَسْحُ عَلَى خِمَارِهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا،
يَجُوزُ... لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ يُشَقُّ نَزْعُهُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ عِمَامَةَ
الرَّجُلِ... وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ... وَلِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لَا يَشُقُّ
نَزْعُهُ غَالِبًا".
ثانيًا:
القدر المجزئ من مسح الرأس في الوضوء:
بما
أن الجمهور اشترطوا وصول الماء إلى الشعر، فقد اختلفوا في الحد الأدنى الذي يصح به
الوضوء، وهنا يكمن الحل العملي لمشكلتك:
مذهب
المالكية والحنابلة: أوجبوا مسح جميع الرأس.
مذهب
الحنفية: ذهبوا إلى أن الفرض هو مسح ربع الرأس. قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع:
"وَأَمَّا مِقْدَارُ الْمَفْرُوضِ فِي الرَّأْسِ... فَمِقْدَارُ النَّاصِيَةِ
وَهُوَ رُبُعُ الرَّأْسِ".
مذهب
الشافعية: ذهبوا إلى أن مسح أي جزء من الرأس أو الشعر بشرط أن يكون الشعر الممسوح في حدود
الرأس ولا يتدلى عنه يجزئ، ولو كان شعرة واحدة أو بعض شعرة، وقال بعضهم ثلاث شعرات
هي الحد المجزئ.
قال
الإمام النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب نصًّا: "وَأَمَّا قَدْرُ
الْمَجْزِئِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ مَا
يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ مِنْ شَعْرٍ أَوْ بَشَرٍ، فَلَوْ مَسَحَ
بِأُصْبُعِهِ أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ، أَوْ قَطْرَةِ
مَاءٍ، أَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِيمَاءٍ وَمَسَحَ بِهَا.. أَجْزَأَهُ... وَحَتَّى لَوْ
مَسَحَ بَعْضَ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ".
ثالثًا:
المناقشة العلمية والعملية لتطبيق الحكم:
من
الناحية التشريحية والعملية، يغطي الحجاب الرأس بأكمله، ولكن تركيبة ارتداء الحجاب
تسمح بمرونة في الأطراف من جهة الجبهة "الناصية" أو من جهة مؤخرة الرأس
فوق الرقبة.
إذا
قامت المرأة بتبليل أصابعها، ثم مررتها بلطف من تحت الحجاب من الأمام جهة الغرة أو
من الخلف فوق الرقبة ومسحت بها على منابت الشعر، فإن مساحة أطراف الأصابع المجتمعة
تغطي علميًّا مئات بل آلاف الشعرات.
وبهذا
الفعل البسيط تكون المرأة قد حققت ما يلي:
تجنبت
مشقة نقض الحجاب وخلعه في مكان العمل.
حققت
ركن المسح على الرأس يقينًا وبما يتجاوز الحد الأدنى بكثير وفق مذهب الشافعية،
ويُقارب مذهب الحنفية إن مسحت بكامل كفها.
الخروج
من الخلاف الفقهي في مسألة "المسح على الخمار المفرَد"، وجمعت بين
التيسير والاحتياط للعبادة.
ويجوز
لك الأخذ بمذهب الشافعية في هذه المسألة لدفع المشقة، فالأخذ بأقوال المذاهب
المعتبرة عند الحاجة ودفع الحرج جائز شرعًا.
القواعد
الفقهية الحاكمة في المسح على الحجاب:
تستند
هذه الفتوى إلى القواعد الكلية الآتية:
"المَشَقَّةُ
تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ": ومشقة خلع الحجاب المتكرر وإعادة ضبطه في
بيئة العمل للمرأة المنتقبة تستدعي الأخذ بالأيسر من أقوال الفقهاء.
"إِذَا
ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ": فلما ضاق وقت المرأة ومساحتها
الشخصية لرفع الحجاب، اتسع الحكم الفقهي ليسمح بالاكتفاء بمسح جزء يسير من الشعر
بما لا يتطلب النزع.
"الأَخْذُ
بِأَخَفِّ المَذَاهِبِ عِنْدَ الحَاجَةِ جَائِزٌ": فقد
صرح العلماء بجواز تقليد مذهب معتبر إذا وُجدت مشقة في التزام المذهب الذي اعتاده
الشخص، ما لم يتتبع الرخص بالتشهي، وهنا توجد حاجة عملية حقيقية. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
فرائض الوضوء وسننه.. ترتيب الأولويات
كيفية الوضوء والخلط بين الفرائض والسنن