هل للمظلوم الدعاء على ظالمه وأولاده بتعجيل الموت والفضيحة؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">قبل أكثر من سنتين، تعرضت لظلم قوي وكبير من شخص كنت أعتبره صديق مقرب وشريك لي في الشغل. الشخص هذا استغل ثقتي فيه لأبعد حد، واكتسح بطرق ملتوية حقوق مالية كبيرة جمعتها بتعبي وعرقي سنين طويلة، ولا همه وش صار على استقرار أهلي وعيالي</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">الشيء هذا دخلنا في أزمة مالية ونفسية صعبة، وتراكمت عليَّ الديون، بينما هو عايش حياته ومرتاح كأن ما صار شيء</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">ولأني عاجز أرد مظلمتي بالطرق الرسمية أو البشرية، تملكني شعور عميق بالقهر والحرقة. ومن شدة الألم، صرت في كل صلاة وفي آخر الليل أدعي عليه بحرقة إن الله يعجل بموته، وتكون موتته شينة وفضيحة تبرد ناري وتوريني فيه وفي ماله وأولاده عجايب قدرته</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">فوش حكم الشرع في دعاء المظلوم على ظالمه وأولاده بالموت وسوء الخاتمة؟ وهل هذا يعتبر تعدي في الدعاء؟ <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">وهل دعائي عليه يحرمني من أجر الصبر والاحتساب؟ <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وكيف أقدر أتغلب على نار القهر والحقد اللي قاعدة تاكل أعصابي، وكيف أرجع السلام والراحة لقلبي؟</span></p>

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا وثقتك بنا، وأسأل الله أن يفرِّج كربك، وأن يخلف عليك خيرًا مما أُخذ منك، وأن يشرح صدرك، ويجعل لك من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا، وبعد...

 

فإن ما تعرضت له من غدر واستغلال مالي ونفسي من شخص كنت تعده قريبًا وصديقًا هو بلا شك ابتلاء عظيم وطعنة مؤلمة، لا سيما حين يترافق مع شعور العجز عن رد الحقوق بالطرق المادية والبشرية، ووسط مسؤولياتك تجاه أهلك وعيالك.

 

ومن الطبيعي جدًّا أن يشتعل القلب قهرًا عندما ترى الظالم يرفل في راحته بينما تتجرع أنت مرارة الديون وتبعات الأزمة.

 

حق المظلوم في الشكوى والدعاء

 

لقد شرع الله تعالى للمظلوم حق الشكوى والدعاء على ظالمه، وجعل دعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب، كما ثبت في السنة المشرفة عن النبي ﷺ حين بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن فقال له: «واتقِ دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» [متفق عليه]؛ بل إن القرآن الكريم صرَّح بإباحة الجهر بالسوء لمن ظلم، يقول الله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 148].

 

فدعاء المظلوم على من ظلمه بحقٍّ، طالبًا رد مظلمته أو اقتصاص الله له، هو أمر مباح ولا إثم فيه؛ لأن الله -سبحانه- أذن لمن ظُلم أن يعبر عن مظلوميته.

 

هل يجوز الدعاء بتعجيل الموت والفضيحة؟

 

أما الدعاء على الظالم بتعجيل الموت أو الفضيحة، فالأفضل للمسلم -وإن كان مباحًا في أصله كنوع من القصاص النفسي للمظلوم المقهور- أن يتجه بدعائه إلى استرداد حقه، أو كفاية شر الظالم، أو أن يجعل دعاءه بأن يقصم الله ظهره ويكفيه أذاه بالطريقة التي يرتضيها العدل الإلهي، لتبقى النفس متعالية عن التلوث برغبة التشفي المطلق.

 

حكم الدعاء على أولاد الظالم وأهل بيته

 

إن الدعاء على أولاد الظالم أو من لم يشاركوه في ظلمه يعدُّ من التعدي في الدعاء المنهي عنه شرعًا. فأولاد الظالم أبرياء لا ذنب لهم فيما جناه أبوهم، وقاعدة العدل الإلهي المطلق قاطعة في كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164].

 

إن دعاء المظلوم على أطفال الظالم أو زوجته أو من لم يظلمه، يفتح بابًا من الظلم للآخرين، وقد حذَّر النبي ﷺ من الاعتداء في الدعاء. لذلك، ينبغي عليك فورًا أن توقف هذا الجزء من دعائك، وأن تحصر دعاءك على من ظلمك وحده، محتسبًا أن الله عدل لا يظلم مثقال ذرة.

 

هل دعاؤك على الظالم يحرمك من أجر الصبر والاحتساب؟

 

الصبر الحقيقي هو الصبر عند الصدمة الأولى وفي وجه البلاء، وقد بلغ بك الألم أقصاه نتيجة تراكم الديون والشعور بالقهر. والدعاء على الظالم ليس منافيًا لأصل الصبر الواجب إذا كان في حدود دفع الظلم واسترداد الحق؛ لكنه قد يُنقص من درجات «الصبر الجميل» والرضا العالي، والعفو الذي رتب الله عليه الأجور العظيمة، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43].

 

ولكن اطمئن يا أخي، فإن الله -سبحانه- أرحم بعباده من أن يضيِّع صبرك الطويل وسهرك وتعبك وسنوات كدِّك؛ فما دمت مظلومًا مكسورًا، فإن الله يعلم سرك وجهرك، ولن يحرمك أجر صبرك واحتسابك لضيقك وأزمتك، بشرط أن تحفظ لسانك عن تعدي الحدود والدعاء على الأبرياء.

 

كيف تتغلب على نار القهر والحقد وتسترد سلام لقلبك؟

 

تلك النيران التي تأكل أعصابك اليوم هي السلاح الخفي الذي يملكه الظالم عليك وهو بعيد عنك؛ فهو وإن سرق مالك، فلا تدعه يسرق طمأنينتك وسلامك الداخلي وصحتك. وللخروج من هذه الدائرة المظلمة، أقترح عليك الخطوات التالية:

 

1- تفويض الأمر إلى الله: تأكد أن الله -تعالى- لا يغفل ولا ينام، وحقك لن يضيع. تذكّر قول العبد المؤمن: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَضِّلُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44]. واجعل لسانك يلهج بـ «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فهي دواء القلوب المقهورة.

 

2- تطهير صيغة الدعاء: استبدل بدعاء الموت والفضيحة دعاء: «اللهم اكفني فلانًا بما شئت، اللهم ردَّ إليَّ حقي عاجلًا غير آجل، اللهم أرني فيه عجائب قدرتك وعدلك، واجعل كيده في نحره». فهذا يحقق لك تشفي القلب وطلب الحق دون تعدٍّ على أبرياء.

 

3- تفريغ شحنة الانفعال بالطرق السليمة: اكتب كل ما يشعر به قلبك على ورق، ثم مزقه، أو تحدث إلى شخص ناصح تثق به تفريغًا للهموم، ولا تدع التفكير في هذا الشخص الظالم يستحوذ على مجالس بيتك وأوقاتك مع عيالك.

 

4- الأخذ بالأسباب المادية والعملية: خطط للخروج من أزمتك المالية، وقسمها إلى خطوات صغيرة، وابحث عن قنوات دعم قانونية أو أهلية أو استشارية، لعل هناك بابًا لم يُطرق لجدولة الديون أو إنقاذ ما يمكن استنقاذه، متوكلًا على الله الحي الرزاق.

 

5- الاستغفار والصدقة: فإن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع البلاء، والاستغفار يفتح الأبواب المقفلة ويشرح الصدر ويفرِّج الهموم.

 

وختامًا أخي الكريم، إن الدنيا دار ممر لا دار مستقر، وحقك عند أعدل العادلين محفوظ في صحائف لا تضل ولا تنسى، وإن طال الزمان. اصبر واحتسب، واجعل تركيزك منصبًا على بناء مستقبل أطفالك وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ودع الحساب لمن بيده ملكوت كل شيء.

أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يخلف عليك في مصيبتك خيرًا، وأن يبرد نار صدرك بسكينة التقوى ويقين الإجابة، إنه سميع مجيب. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف يصل المظلوم إلى السكينة واليقين بانتقام الله له؟

هل دعائي على الظالم يُخرجني من «العافين عن الناس»؟

أدعو على من ظلمني في رمضان.. هل من سبيل آخر للتشفي؟