<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا امرأة عمري 29 سنة، طُلِّقت قبل سنة ورجعت إلى بيت أمي، ووالدي متوفى، ولا أستطيع الاستقلال بسكن الآن لأسباب مادية. <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أمي لسانها سليط عليّ، وتعيِّرني دائمًا بفشل زواجي، وتقارنني بأخواتي، وتقول كلامًا يوجعني. أحيانًا أرد عليها بصوت مرتفع، وأحيانًا أصمت عنها أيامًا ثم أندم وأبكي. أشعر بأنني أختنق. <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وكيف أتعامل معها عندما تجرحني بكلامها؟ </span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt; font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">فكيف أحافظ على برِّها وأنا أتعرض لهذا الأذى منها؟</span></p>
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا
بك أختي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن
يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويكشف كربك، ويجعل لك من ضيقك مخرجًا قريبًا، وبعد...
بين
جراح الطلاق وألم الفقد ووخز الكلمات
أختي
الكريمة، أعلم تمامًا حجم الألم والضغط النفسي الذي تمرين به، فتجربة الطلاق في حد
ذاتها جرح عميق يحتاج إلى وقت ليلتئم، فكيف إذا ترافق مع فقد الأب الحاني الذي كان
سندًا وملاذًا، ثم العودة إلى بيت الأم لنجد القسوة والتعيير ووخز الكلمات بدل
الحنان والاحتواء؟!
ومع
هذا الابتلاء الشديد، اعلمي أن مع العسر يسرًا، وأن لكل صابرة أجورًا عظيمة لا تُحصى،
وأن الله لا يغفل عن دموعك الصامتة بين يديه.
قراءة
في واقعك النفسي والاجتماعي
إن
ما تعانين منه –أختي الكريمة- من مقارنات مع أخواتك وتذكير مستمر بفشل الزواج يمس
أعمق مناطق الكبرياء والكرامة الإنسانية عند المرأة. وعندما تفقد الفتاة والدها ثم
يقع الطلاق، تصبح كالطائر الذي فقد جناحيه، وتتوقع من الأم أن تكون هي العوض
والملجأ الآمن. لكن حين تتحول الأم إلى مصدر للضغط والوجع، يشعر الإنسان وكأن
الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت.
إن
مقارنة الأم لك بأخواتك وتعييرك بالطلاق، هو غالبًا انعكاس لمخاوفها أو جهلها
بطبيعة التعامل مع بناتها في الأزمات، وربما تكون هي الأخرى تحت ضغوط نفسية أو
سنية لا تبرر فعلها؛ ولكنها تفسره. ومع ذلك فأنت مأمورة من الله عز وجل ببرها وحسن
معاملتها والإحسان إليها: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ
أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكرْ لِي
وَلِوَالَيْك إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]، وهذا ابتلاء آخر وامتحان دقيق لصدق
إيمانك وصبرك.
كيف
تتعاملين مع سهام والدتك؟
عندما
تطلق الأم سهام الكلمات الجارحة، تتصادم في داخلك رغبتك في الدفاع عن نفسك، وبين
وصية الله عز وجل لك بالصبر والاحترام، وللتعامل مع هذا الموقف بوعي وحكمة أنصحك
بالآتي:
1-
الامتصاص والانسحاب: لست مجبرة على الاستماع إلى محاضرة تعيير
مستمرة من أمك؛ بل يمكنك –ببساطة- الرد عليها بكلمة طيبة هادئة، ثم الانسحاب بلطف
بحجة الانشغال بعمل ما. وقد
أثنى الله على عباده الصالحين بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا
سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، والسلام هنا يعني الابتعاد عن مواطن الجدل المؤذي.
فإياك
والصدام المباشر مع أمك، فإنه يضرك نفسيًّا وعصبيًّا وجسمانيًّا، غير ما يزيده من
تأزم في العلاقة بينك وبين والدتك. فلمنع وصولك لنقطة الانفجار، درِّبي نفسك –إن
اضطررتِ إلى الرد- على التمهل قبله، وخذي نفسًا عميقًا، واستغفري في سرك، لتمنعي
الكلمة المؤذية من جرِّك إلى معصية العقوق أو رفع الصوت على الأم التي نهى الله عن
التأفف في وجهها فضلًا عن الصراخ.
2-
لا تأخذي كلامها على محمل شخصي: تذكَّري أن كلمات أمك تعبر عن
طريقتها القاصرة في التعبير عن قلقها عليك أو إحباطها، وليست تعبيرًا عن حقيقة
قيمتك الثابتة عندها وعند الناس. فأنت لست فاشلة لمجرد أن زواجك لم يكتب له
الاستمرار؛ فكم من امرأة صالحة كريمة لم يوفقها الله في زواجها، وكان طلاقها بداية
لخير عظيم لها.
كيف
تحافظين على برِّها وأنتِ تتأذين منها؟
دعيني
أصارحك أختي الكريمة: إن بر الوالدين في حال الأذى هو البر الحق الذي ترتفع به
الدرجات؛ لأنه لا يُبنى على المصلحة المتبادلة بل على طاعة الله تعالى. ولكي
تحافظي على هذا البر دون أن تفقدي سلامك النفسي، أنصحك بالتالي:
1-
الفصل بين الإحسان وبين قبول الإهانة: فالإسلام يأمرنا
بالإحسان للوالدين وإن ظلما أو جاهدا الإنسان على الباطل، كما قال تعالى: ﴿وَإِن
جَاهَدَاك عَلَىٰ أَن تُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. فإذا كان هذا في الكفر
والشرك، فكيف بالأذى اللفظي؟ الإحسان يكون بالخدمة، والكلمة الطيبة، والقيام
بشؤونها، دون أن يعني ذلك السماح بتهشيمك نفسيًّا.
2-
استحضار أجر وبركة البر: فقد سُئل النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟
فقال: «الصلاة على وقتها»، قيل: ثم أي؟ فقال: «ثم بر الوالدين» [متفق عليه].
واحتسابك لهذا الصبر عند الله يمحو السيئات ويهدئ النفس. وتأملي في سير السلف
الصالح كيف ضربوا أروع الأمثلة في الصبر على أذى الوالدين، كمصعب بن عمير وأبي
هريرة، رضي الله عنهما.
3-
التحكم في لحظات الندم وتصحيحها: ذلك
الندم والبكاء الذي يعقب صمتك أو ردك هو علامة عافية لقلبك وخوفك من الله؛ فاجعلي
هذه الدموع توبة واستغفارًا، واعلمي أن الله يرى جهادك الداخلي لضبط لسانك وكظم
غيظك، وقد قال النبي ﷺ: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على
رؤوس الخلائق حتى يخيِّره من الحور العين ما شاء» [رواه أبو داود].
4- ضعي حدودًا لينة: وقت تأزم الأمور بينك وبين والدتك، وتصاعد الخلاف، حاولي أن تجعلي
التعامل معها مقتصرًا على الحدود الضرورية، دون أي مساحات لأحاديث جانبية. وإن
عاودت الكلام المؤذي، فأنهي الحوار بهدوء وثبات ولين، أو بابتسامة صامتة، وحاولي
فتح موضوع آخر للحديث.
وإذا
شعرت بالغيظ والرغبة الشديدة في الرد، فخذي نفسًا عميقًا وأخرجيه ببطء، وكرري ذلك
مرات عدة قبل أن تنطقي بحرف واحد، لتمنعي ردود الفعل الخاطئة وصوتك المرتفع.
5-
بادري بالإحسان: أحسني إلى أمك واخدميها دون أن تطلبي منها شيئًا
(كإعداد شراب تفضله، أو ترتيب حاجياتها، أو مساعدتها في تنظيف البيت وإعداد
الطعام)، واجعلي نية ذلك خالصة لوجه الله –تعالى- طلبًا لبركة البر ودفع البلاء.
6-
تفريغ المشاعر بالكتابة والدعاء: لا تكتمي مشاعرك في صدرك؛ بل اكتبي
ما تجدينه في دفتر خاص، ثم اسكبي عبراتك بين يدي الله في الثلث الأخير من الليل،
وبثي حزنك وهمك إليه I، فهو السند لمن لا سند له.
7-
أشغلي وقتك بالنافع المفيد: حاولي شغل وقت فراغك بمهارة تتعلمينها، أو
بقراءة نافعة، أو بحفظ القرآن الكريم، أو بعمل خيري تطوعي، أو بممارسة هواية ممتعة
مباحة، أو بعمل آمن يدر عليك دخلًا، لتعيدي بناء ثقتك بنفسك وشعورك بالإنجاز.
وختامًا
أختي الكريمة، إن هذه المرحلة الصعبة التي تمرِّين بها ليست –بإذن الله- سوى محطة
في رحلة حياتك، وليست نهاية المطاف، فطلاقك لا يقلل من قدرك شيئًا، وصبرك على أمك
هو مفتاح فرج عظيم سيرزقك الله به عوضًا جميلًا ينسيك كل تعب، فاستمسكي بحبل الله،
وأحسني إلى أمك ابتغاء وجهه، واعلمي أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن عاقبة
الصبر الجميل نجاة وسعة.
اللهم
يا كاشف الكرب ويا مُفرج الهموم، نسألك يا ربنا أن تلطف بأختنا، وأن تشرح صدرها،
وتجعل لها من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا. اللهم ألهمها الصبر الجميل، وأعنها
على بر أمها، وأبدل كسر قلبها جبرًا عظيمًا، واجعل ما تعانيه في ميزان حسناتها يا
أرحم الراحمين. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
أمي سليطة اللسان .. ركيزتان للحل