هل الملائكة متفرغون لمراقبة النساء ولعن أفعالهن؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لدي استفسار يشغلني وأتمنى منكم توضيحه وبيان الحكم الشرعي فيه. نسمع كثيرًا من الأحاديث التي تتحدث عن لعن المرأة، مثل الأحاديث التي تذكر أن الملائكة تلعن المرأة إذا خرجت من بيتها بغير إذن زوجها، أو إذا امتنعت عن فراش زوجها، وكذلك الأحاديث التي تتحدث عن المرأة التي تخرج متعطرة. وأنا هنا أتساءل: هل خلق الله سبحانه وتعالى ملائكة لهم مهمة مخصصة، وهي لعن النساء ومراقبة تصرفاتهن؟ وهل هذه الأحاديث كلها صحيحة وثابتة عن النبي ﷺ، أم أن بينها أحاديث ضعيفة أو غير صحيحة؟</p><p> والذي يدفعني إلى السؤال أكثر أن النبي ﷺ يقول: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان»، فكيف نفهم كثرة الأحاديث التي ورد فيها لعن المرأة؟ وكيف نجمع بينها وبين توجيه النبي ﷺ إلى الابتعاد عن اللعن، خاصة أنني ألاحظ أن أحاديث اللعن تتكرر في مسائل كثيرة تخص المرأة تحديدًا. لا أقصد الاعتراض على حديث صحيح أو حكم شرعي، وإنما أريد أن أفهم المسألة فهمًا صحيحًا، وأن أعرف مدى صحة هذه الروايات، وكيف ينبغي فهمها في ضوء مقاصد الشريعة وأخلاق النبي ﷺ. أرجو منكم توضيح هذه المسألة، وجزاكم الله خيرًا ونفع بعلمكم.</p>

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، سؤالك ينم عن حرص محمود على فهم نصوص الشريعة فهمًا صحيحًا ينسجم مع كمال عدل الله تعالى، ورحمة نبيه ﷺ، ومقاصد الإسلام العظيمة. ومن حق المسلم والمسلمة إذا استشكل عليهما نص أن يبحثا عن توجيهه الصحيح الذي يزيل اللبس. فالإسلام كرّم المرأة أُمًّا وبنتًا وزوجة، وجعل معيار التفاضل التقوى، وما ورد من نصوص تتضمن وعيدًا شديدًا كاللعن إنما سيقت لحماية بنيان الأسرة والمجتمع من التصدع، وليست انتقاصًا من قدر المرأة أو استهدافًا لجنسها. وفيما يلي بيان تفصيلي يكشف عنك هذا الإشكال بإذن الله.

 

اختصارًا:

 

وظيفة الملائكة: لم يخلق الله ملائكة مهمتهم فقط مراقبة النساء ولعنهن؛ بل الملائكة عباد مكرمون ينفذون أمر الله، ودعاؤهم باللعن بمعنى طلب الإبعاد عن الرحمة هو بيان لغضب الله على أفعال معينة تهدد استقرار الأسرة والمجتمع.

 

صحة الأحاديث: حديث لعن الملائكة لمن امتنعت عن فراش زوجها بغير عذر حديث صحيح ثابت، أما خروج المتعطرة فثابت فيه وصفها بـ "الزانية" مجازًا، أي آثمة تأثم إثم الزنى للفتنة ولم يرد فيه نص بـ "لعن الملائكة". وحديث الخروج بغير إذن ورد بأسانيد بعضها حسن، والمعنى العام متفق عليه بضوابطه.

 

مفهوم اللعن والجمع بين النصوص: اللعن المنهي عنه للبشر هو اللعن الناشئ عن غضب وتشفٍ وهوى تجاه شخص معين، أما لعن الملائكة أو لعن النبي ﷺ لأفعال معينة فهو "تشريع وتغليظ وبيان للكبائر" لعن الوصف والفعل لا العين والشخص.

 

تخصيص المرأة: اللعن في السنة لم يقتصر على المرأة، بل وردت أحاديث كثيرة تلعن الرجال في كبائر كالربا، والرشوة، وشرب الخمر، والتشبه بالنساء، والظلم، مما يثبت أن اللعن ينصبّ على "الجريمة" لا على "الجنس".

 

تفصيلاً:

 

أولاً: هل خُلقت الملائكة لتتبع عثرات النساء ولعنهن؟

 

الملائكة جند من جنود الله، خلقهم لطاعته، قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]. ليس لهم إرادة مستقلة في اللعن أو الدعاء، بل دعاؤهم للمؤمنين بالمغفرة أو على العاصين باللعن هو بأمر الله تعالى. وعندما تلعن الملائكة فعلاً معينًا، فهذا إشعار من السماء بعِظَم هذا الذنب وتأثيره الكارثي على الحقوق الشرعية كحق الزوج أو حق المجتمع.

 

ثانيًا: مدى صحة هذه الأحاديث وتخريجها:

 

حديث الامتناع عن الفراش: ثابت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح».

 

ونص علماء الأمة على أن هذا الوعيد خاص بالمرأة التي تمتنع عنادًا وبلا عذر شرعي. قال الإمام النووي في "المنهاج شرح صحيح مسلم": "هذا دليل على تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعي، كحيض، أو مرض، أو نحوه... والمراد بلعن الملائكة إبعادها من رحمة الله، وهو دليل على أنه من الكبائر". فإذا كانت مريضة أو مرهقة إرهاقًا شديدًا أو متضررة، فلا يشملها الحديث قطعًا لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار».

 

حديث المرأة المتعطرة: لم يرد فيه أن الملائكة تلعنها، بل ورد في "سنن النسائي" و"سنن أبي داود" بسند صحيح قوله ﷺ: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية». والمقصود بالزنى هنا زنى العين والأنف، أي الإثم؛ لأنه يثير الفتنة، وليس زنى الفرج الذي يوجب الحد.

 

حديث الخروج بغير إذن: رُوي بلفظ: «أيما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها لعنتها الملائكة...»، وقد أخرجه الطبراني وغيره، وفيه مقال عند المحدثين، ولكن معناه العام حرمة الخروج بلا إذن إلا لضرورة متفق عليه؛ حفاظًا على قوامة البيت، إلا إذا كان الزوج متعسفًا أو خرجت لضرورة قاهرة.

 

ثالثًا: الفرق بين اللعن المنهي عنه من البشر، واللعن الوارد في النصوص:

 

لماذا نُهي البشر عن اللعن؟

 

معنى اللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله، وقول النبي ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان» أخرجه الترمذي، موجه للبشر لأن غضب الإنسان يكون غالبًا لحظوظ النفس، والتشفي، والانتقام. كما أن الإنسان لا يعلم الغيب؛ فقد يلعن شخصًا ويتوب هذا الشخص فيرحمه الله، ولفظ الحديث معجز "لعَّان" مكثر مبالغ في اللعن بسبب وبغير سبب، أما اللعن المسبب فلا بأس به قال تعالى: {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} [آل عمران: 87].

 

كيف نفهم اللعن من الملائكة أو في التشريع؟

 

اللعن الصادر في النصوص الشرعية هو بمثابة "تصنيف جنائي" في الشريعة، لبيان أن هذا الفعل يعد من الكبائر. قال ابن تيمية مبينًا هذا الفارق الدقيق: "اللعن بالوصف العام جائز، كقوله: لعن الله السارق، ولعن الله آكل الربا... وأما لعن المعين أي شخص محدد ففيه تفصيل...". فالملائكة تلعن "الفعل" الامتناع عن الفراش بغير حق كقاعدة عامة لبيان غضب الله، أما نحن فلا يجوز لنا أن نشير إلى امرأة بعينها ونقول "لعنة الله عليكِ"، فهذا هو المنهي عنه.

 

رابعًا هل اللعن خاص بالنساء في الشريعة؟

 

هذا تصور غير دقيق يزول بتتبع السنة المطهرة. فاللعن ارتبط بأفعال يغلب عليها الإضرار بالمجتمع، وكثير منها موجه للرجال بالدرجة الأولى، أو للطرفين، ومن أمثلة ذلك:

 

التعاملات المالية الظالمة ومعظمها يغلب فيها الرجال: أخرج مسلم: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه».

 

الرشوة والفساد: أخرج الترمذي: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي».

 

التغيير في الأرض والممتلكات: أخرج مسلم: «ولعن الله من غيّر منار الأرض»، أي غير حدودها ليسرق أرض جاره.

 

شرب الخمر: أخرج أبو داود: «لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها».

 

التشبه: أخرج البخاري: «لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء».

 

فاللعن لا يستهدف جنس المرأة، بل يستهدف "الظلم" و"الفساد" أيًّا كان فاعله. ولما كان امتناع المرأة عن فراش زوجها بغير حق سببًا رئيسيًّا لدمار الأسرة ووقوع الزوج في الحرام، جاء التغليظ فيه بحجم الضرر المتوقع.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في مسألة لعن الملائكة للنساء:

 

"دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ": فالوعيد الشديد واللعن في الأحاديث المذكورة هدفه درء مفسدة تفكك الأسرة، وانتشار الفتنة في المجتمع، وهذا مقدم على حرية الشخص المطلقة في التصرف.

 

"المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ": بناءً على هذه القاعدة، فإن الأحاديث التي توعدت المرأة، تسقط تمامًا حالة وجود مشقة أو عذر شرعي. فالامتناع للمرض، أو الخروج بغير إذن للضرورة كالذهاب للمستشفى أو الهرب من حريق أو ضرر محقق لا يدخل في اللعن باتفاق العلماء.

 

"جَوَازُ اللَّعْنِ بِالوَصْفِ، وَتَحْرِيمُهُ بِالتَّعْيِينِ": وهي القاعدة التي تجمع بين حديث "ليس المؤمن باللعان" وبين أحاديث اللعن؛ فيجوز ذكر اللعن على سبيل الزجر عن الصفة أو الفعل، ويحرم إيقاعه وتوجيهه لشخص معين بذاته. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

أرفض العلاقة معه.. فهل تلعنني الملائكة؟

كيف أكون من الذين تدعو لهم الملائكة؟