مآسي الواقع أسوأ من خيالات الذكاء الاصطناعي!

مؤسسة خيرية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد صور ومقاطع فيديو وهمية لأطفال يبكون في مناطق كوارث دولية، بهدف استدرار عواطف المتبرعين وجمع أموال تُصرف بالفعل في مشاريع تنموية حقيقية. هل توظيف هذه المواد الإعلامية "المزيفة" لغرض إنساني وإنماء المجتمع يُعد كذباً وتدليساً محرماً شرعاً، أم أن الغاية النبيلة تبرر هذه الوسيلة التسويقية؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تناول هذه الفتوى مسألة معاصرة تتعلق بتعمد قلة من المؤسسات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد صور ومقاطع فيديو وهمية تُظهر مآس ومعاناة غير حقيقية، بغرض التأثير النفسي واستدرار عواطف المتبرعين لجمع أموال تُصرف في مشاريع تنموية واقعية، مع بيان الحكم الشرعي في هذه الممارسة وتكييفها الفقهي ومدى صحة تبريرها بالغاية النبيلة.

 

اختصارًا:

 

لا تحتاج هذه المؤسسات إلى استدعاء المآسي الافتراضية، فالمشاهد الحية من شتاء غزة تبكي الحجارة، ولا يجوز شرعًا للمؤسسات الخيرية استخدام صور أو مقاطع فيديو مصطنعة ونسبتها إلى مناطق الكوارث لجمع التبرعات، ولو كانت الغاية نبيلة والأموال تُنفق في مصارفها الصحيحة لأن هذا الصنيع يُعد من قبيل الكذب والتدليس وأكل أموال الناس بالباطل، وفي الشريعة الإسلامية "الغاية لا تبرر الوسيلة". كما أن اختلاق المآسي يعد تغافلاً عن مآسي الواقع المرير، فواقع الأمة اليوم يغني عن أي خيال مصطنع.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: تحريم الكذب والتدليس في حشد التبرعات

 

إن تصوير مشاهد غير حقيقية وتقديمها للناس على أنها واقع قائم هو من صميم الكذب والخداع المحرم قطعًا في الشريعة الإسلامية. فالمتبرع يبذل ماله بناءً على الصورة المنقولة إليه، وتزييف هذه الصورة يُعد غشًّا له في دافع التبرع. وقد حرّم الإسلام الكذب مهما كانت الدوافع، قال رسول الله ﷺ: "إيَّاكُمْ والكَذِبَ، فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ" رواه مسلم. واستخدام هذه التقنيات لخداع المتبرع يدخل في عموم قوله ﷺ: "مَن غشَّنا فليسَ منَّا" رواه مسلم.

 

ثانيًا: الغاية النبيلة لا تبرر الوسيلة المحرمة

 

لا يُقبل في الفقه الإسلامي تبرير الوسيلة الفاسدة بنبل الغاية، ويشترط لقبول العمل أن يكون الهدف مشروعًا والطريق إليه مشروعًا أيضًا؛ فالله طيِّب لا يقبل إلا طيبًا. قال الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين مبينًا أن النية الصالحة لا تحيل الحرام حلالاً: "المعاصي لا تتغير طِبَاعُها بالنيات، فالجاهل الذي يظن أنه يتقرب إلى الله تعالى بمعصية، كمن يتقرب إليه بدم يريقُه على مذبح". وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين: "لا يجوز التوصل إلى الغرض المباح بالوسيلة المحرمة". وعليه، فإن إنفاق الأموال في التنمية غاية حسنة، لكن التوصل إليها بالكذب يجعل العمل مشوبًا بالإثم.

 

ثالثًا: مآسي الواقع أشد قسوة من الخيال المصطنع.. مشاهدة غزة في هذا الشتاء نموذجًا

 

إن لجوء المؤسسات إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي لاختلاق معاناة وهمية هو ضرب من العبث، وانفصال خطير عن الواقع المرير الذي تعيشه الأمة، فإن مآسي الواقع أكبر وأفدح بكثير من قدرة الذكاء الاصطناعي على التخيل. فالصور الحقيقية الحية القادمة من غزة اليوم ـ وتحديداً في هذا الشتاء القارس ـ أقسى وأشد إيلامًا من أية صور مصطنعة؛ أطفال يرتجفون من البرد القاتل في خيام مهترئة غارقة في الوحل، وجوع ينهش الأجساد النحيلة، وأشلاء تُنتشل من تحت الأنقاض.. هذا الواقع الدامي لا يحتاج إلى "فبركة" لاستدرار العواطف.

 

إن توفر هذه المشاهد الحقيقية والموثقة بالملايين يجعل اللجوء للذكاء الاصطناعي ترفًا مذمومًا وتعميةً عن المعاناة الحقيقية التي تستحق أن تُنقل للعالم كما هي، وعلميًّا يُثبت علم النفس الاجتماعي أن استخدام الصدمات المفتعلة يؤدي بمرور الوقت إلى ما يُعرف بـ "تبلد المشاعر الإنسانية" فحين يكتشف المتبرع أن ما أبكاه كان مجرد صورة أو فيديو مكذوب سيفقد الثقة ولن يتفاعل مع الصور الحقيقية لاحقًا، مما يقتل التعاطف مع القضايا العادلة الحقيقية كقضية غزة وغيرها.

 

رابعًا: إهدار ثقة المجتمع في العمل الخيري

 

اكتشاف الناس لهذا التدليس سيؤدي حتمًا إلى إحجامهم عن التبرع، وتشكيكهم في كل المؤسسات الخيرية، مما ينعكس بضرر بالغ على الفقراء والمحتاجين الحقيقيين الذين تنقطع بهم سبل الإغاثة بسبب فقدان الثقة، ودرء هذا المآل واجب شرعي.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في استخدام المؤسسات الخيري الذكاء الاصطناعي لتوليد صور ومقاطع فيديو وهمية تُظهر معاناة غير حقيقية:

 

الوسائل لها أحكام المقاصد بشرط مشروعية الوسيلة: أصل القاعدة أن الوسيلة إلى الواجب واجبة، والوسيلة إلى الحرام محرمة، ولكن اشترط العلماء ألا تكون الوسيلة محرمة في ذاتها. قال الإمام القرافي في كتابه الفروق: "الوسيلة إذا كانت محرمة في ذاتها لم تصر مباحة بقصد الواجب أو المندوب".

 

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: مفسدة الكذب والتدليس ونزع الثقة من قطاع العمل الخيري، أعظم من مصلحة جمع أموال إضافية، ولذلك يُقدم المنع.

 

سد الذرائع: منع كل طريق يؤدي إلى الحرام، واستخدام هذه الصور ولو لغرض حسن هو ذريعة لاستسهال الكذب، وذريعة لاتهام المؤسسات الخيرية بالاحتيال.

 

الضرر لا يُزال بضرر: لا يُزال ضرر حاجة الفقراء بإيقاع ضرر الخداع والتضليل على المتبرعين. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف يوظف الداعية الذكاء الاصطناعي دون المساس بالثوابت؟

التربح من منتجات الذكاء الاصطناعي..ضوابط الحل والحرمة