أمي سليطة اللسان مع أبي.. كيف أمنعها؟!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 487
  • رقم الاستشارة : 2362
12/08/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتاة عمري عشرون عامًا، أصغر إخوتي جميعًا، وقد تزوجوا جميعًا وبقيتُ وحدي أعيش مع والديَّ. منذ أن تفرّق البيت ولم يبقَ فيه سواي، تغيّر كل شيء. والدي ــ أطال الله في عمره ــ أصيب بمرض شديد أقعده عن العمل والحركة، وصار عاجزًا عن القيام بكثير من أموره.

كنتُ أظن أن مرضه سيجعل أمي أكثر رحمة به، لكن ما أراه مؤلم للغاية.. فهي تستغل ضعفه وعجزه، وتؤذيه بكلمات قاسية وشتائم جارحة، وتذكّره مرارًا بما فعله معها في الماضي، وكأنها تنتقم منه اليوم بعد طول صبر.

كلما سمعتها ترفع صوتها عليه أو تهينه، أشعر بمرارة شديدة في قلبي، وأجد نفسي بين نارين: نار حزني على أبي وهو يسمع هذا الكلام ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، ونار حيرتي أمام أمي التي لا أجرؤ أحيانًا على مواجهتها، فهي سليطة اللسان، وإذا حاولتُ أن أنصحها أو أوقفها تزداد حدةً وانفعالًا.

أنا في حيرة كبيرة، كيف أوقف أمي عن هذا السلوك وأجعلها تلين في تعاملها مع أبي، وأحفظ له كرامته، من غير أن أخسر علاقتي بها أو أثير غضبها؟ أشعر أن البيت صار ثقيلًا على قلبي، ولا أريد أن أعيش هذه الأيام القليلة المتبقية من عمر أبي في أجواء خصام وإهانة.

الإجابة 12/08/2025

ابنتي الغالية،

 

لقد لمستُ في كلماتك قلبًا مرهفًا وضميرًا حيًّا، يحمل همًّا أكبر من سنّه، ويبحث عن السلام في بيت تتزاحم فيه المشاعر المؤلمة.

 

ما تمرّين به ليس أمرًا هينًا؛ فوجودك في قلب هذا الصراع العاطفي بين والديك يضعك في ما يُسمّى بـ "Conflict of Loyalties" أو تضارب الولاءات، حيث يجد الابن أو الابنة نفسه بين حب واحترام طرفين متخاصمين، فيتأذى عاطفيًّا ونفسيًّا.

 

أولًا: بالنسبة لسلوك والدتك..

 

قد يكون ما تفعله يعد انعكاسًا لمشاعر قديمة من الغضب أو الإحباط تراكمت عبر سنوات، لكنها الآن تظهر في وقت ضعف والدك، وهي "Unresolved Emotional Resentment" أو الضغينة العاطفية غير المحلولة، والتي تعني: بقاء مشاعر الغضب أو الاستياء أو المرارة تجاه شخص أو موقف دون معالجة أو حل..

 

هذا النوع من الاستياء يمكن أن يتجذر ويتراكم مع مرور الوقت؛ ما يؤثر سلبًا على الصحة العاطفية والعلاقات، ومع ذلك فإن تبرير السلوك لا يعني قبوله؛ لأن الشرع والعقل يرفضان الإيذاء اللفظي خاصة في أوقات الحاجة والمرض.

 

وديننا الحنيف أمرنا بالبر والإحسان، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقال النبي ﷺ: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء".

 

والإساءة للزوج المريض، خاصة من زوجته، مخالفة لما أمر الله به من بر وطاعة الزوج، والمودة والرحمة بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

 

ثانيًا: نصائح مهمة:

 

وأنصحك هنا -يا ابنتي- الغالية أن تتصرفي بحكمة بالغة قدر إمكانك كالتالي:

 

1- حافظي على هدوئك الداخلي.. فقبل أن تتدخلي، احرصي على أن تكوني هادئة نفسيًّا؛ لأن مواجهة الأم في حالة غضبها قد تزيد الموقف سوءًا.

 

2- تدخلك بينهما يجب ألا يكون مباشرًا.. عند سماعك إساءتها، يمكنك تحويل مجرى الحديث إلى موضوع آخر، أو جذب انتباهها لأمر إيجابي يخفف من حدة الموقف.

 

3- كوني حريصة عند اختيارك وقتًا للتتحدث معها على انفراد، فيحبذ أن يكون حديثك معها في وقت صفاء.. وأظهري تعاطفك أولًا مع مشاعرها قبل نصحها، فذلك يخفف دفاعيتها.

 

واستخدمي وقتها لغة الأنا، مثل: "أنا أستاء وأشعر بالحزن عندما أسمع كلمات قاسية تجاه أبي".

 

4- ذكّريها بلطف أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن أجر الصبر على المريض عظيم، وأن الإنسان قد يندم لاحقًا على كلمات لم يكن لها داعٍ.

 

5- أحيانًا، الإساءة تكون نتيجة إرهاق نفسي، فحاولي مساعدتها في شؤون البيت أو رعاية والدك، ليقلّ العبء والضغط النفسي عنها.

 

6- إذا شعرتِ أن المشهد يتكرر بشكل مؤذٍ لكِ، يمكنك الانسحاب من المكان قليلًا حتى تهدأ الأجواء، وذلك مطلوب لحماية نفسك عاطفيًّا وعصبيا.

 

وأخيرًا، أذكرك حبيبتي بأهم ما في الأمر:

 

أنت هنا لتهدئة النفوس، لا لتكوني قاضيًا يحكم بين والديك. مهمتك الأساسية أن تحفظي احترامك لكليهما، وأن تسعي لزرع كلمة طيبة، أو تخفيف حدة الموقف، دون أن تستنزفي طاقتك العاطفية بالكامل.

 

* همسة أخيرة:

 

أذكّرك بقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.

 

اجعلي نيتك في كل كلمة وموقف، طلب الأجر من الله، وخفض الجناح لوالديك، وحفظ كرامة أبيك، ولعلّ كلماتك الهادئة اليوم تكون بذرة خير تغيّر سلوك أمك غدًا.

الرابط المختصر :