أُخفي مالي عن أبي.. هل أنا عاق؟!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 429
  • رقم الاستشارة : 3218
05/11/2025

السلام عليكم يا دكتورة،

أنا شاب في أولى جامعة، وبصراحة مش عارف أبدأ منين... والدي من وأنا في الإعدادية بيخلّيني أشتغل في الإجازة، وكنت وقتها مش زعلان، كنت بقول عادي أتعلم مسؤولية وأساعد نفسي.

بس مع الوقت الموضوع كبر، بقيت أنا اللي بصرف على لبسي ودراستي ومواصلاتي وكل حاجة تقريبًا، ولما دخلت الجامعة بقى يطلب مني أشارك كمان في مصاريف البيت!

أنا مش مقصّر والله، بس حاسس إن الحمل تقيل عليّ، خصوصًا إن والدي شغله كويس ومش محتاجني بالشكل ده.

بقيت مضطر أخبي عنه جزء من فلوسي اللي بشتغل بيها علشان أعرف أوفّر لنفسي، بس ضميري بيأنّبني جدًا وبحس إني بعمل حاجة غلط أو أني عاق.

هو بيقول لي: "أنا بربّيك على الرجولة"، بس أنا حاسس إن الرجولة مش إن الولد يشيل كل حاجة لوحده، ومش عارف أتعامل إزاي...

هل أنا فعلاً غلطان إني بخبي عنه مدخراتي؟ ولا من حقي أحتفظ بحاجة لنفسي طالما بصرف على نفسي؟

الإجابة 05/11/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا بني،

 

بدايةً أُثني على وعيك ونضجك، فمجرّد طرحك لهذه المشكلة بهذا الهدوء والصدق يدلّ على أنك تمتلك درجة عالية من الوعي الذاتي (Self-awareness)، وهو أول أسس النضج النفسي الاجتماعي.

 

ما تمرّ به ليس مجرّد خلاف مالي بين أبٍ وابنه، بل هو صراع بين حاجتك الطبيعية للاستقلال وبين سلطة الأب الذي يرى في الشدة وسيلةً لغرس الرجولة. وهنا يجب أن ننظر إلى الأمر بعين التوازن لا بعين الغضب أو التبرير.

 

الناحية النفسية والتربوية

 

يُشير علم النفس التربوي الأسري إلى أنّ الأسرة هي أوّل بيئة يتعلّم فيها الفرد مفهوم المسؤولية، ولكن إن فُرضت المسؤولية قبل أوانها، أو دون دعمٍ عاطفي وتقديرٍ لجهد الابن، فإنها تتحوّل من دافعٍ للنضج إلى عبء نفسي يولّد الإحباط والشعور بالظلم.

 

والواضح من حديثك أنّ والدك يربط الرجولة بالقدرة على الكدّ والعمل والإنفاق، وهي قيمة في أصلها صحيحة، لكن طريقة التطبيق لديها قدر من التصلب الأبوي التربوي (Parental Rigidity)، أي التشدد في فرض المواقف التربوية دون مرونة تراعي الفروق العمرية أو النفسية.

 

البعد الديني والتربوي

 

فالإسلام يا بني لم يجعل النفقة على الأبناء تكريمًا بل واجبًا على الآباء، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. أي أنّ الأصل في التكليف المادي هو على الوالد، وليس على الابن.

 

وقد قال النبي ﷺ في الحديث الشريف: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يعول"، أي أن التقصير في النفقة أو تحميل الأبناء فوق طاقتهم لا يُعد من التربية، بل من التقصير في المسؤولية الأبوية.

 

لكن أيضًا، من الحكمة أن نُدرك أنّ بعض الآباء — خصوصًا من الجيل القديم — يربطون بين الكفاح والعمل المبكر وبين تكوين الذات، فهم لا يقصدون الأذى، بل يريدون إعدادك لمواجهة الحياة بصلابة.

 

الجانب الواقعي والعلاجي للمشكلة

 

- حاول أن تتحدث مع والدك بهدوء واحترام، مستخدمًا ما يُعرف في التواصل الأسري بـ "I-message" أي رسائل الأنا، كأن تقول له: "يا أبي، أنا أقدّر تعبك ورغبتك في تربيتي على الرجولة، لكن أحيانًا أحسّ أن الحمل أكبر من طاقتي، وأحتاج أن أوازن بين دراستي وشغلي"

هذا الأسلوب يُخفّف من المقاومة الدفاعية (Defensive Resistance) عند الوالد.

 

- ثم لا تشعر بالذنب لأنك تحتفظ بجزءٍ من مالك، ما دمت لا تقصّر في واجبك تجاه البيت، فلك الحق في الاستقلال المالي الجزئي، طالما تنفق على نفسك وتُحسن تدبير أمورك، وتساعد أهلك إن احتاجوا، أما إن كانت ظروفه ميسرة وأنت متأكد من ذلك، فلك الإدخار الأكبر، وهذا ليس بعقوق.

 

- واجعل جزءًا من مدّخراتك هدفًا مستقبليًّا واضحًا، كالتعلّم أو تطوير الذات، فهذا يعزّز لديك الدافعية الداخلية (Intrinsic Motivation) التي تُعدّ من أقوى مؤشرات النجاح في مرحلة الشباب.

 

وأوصيك بعدم الإسراف والتبذير، فقد يكون والدك معتقدًا هذا ولا يريدك أن تخسر ما تشقى به في عملك على أشياء غير مفيدة.

 

وأخيرًا والأهم يا بني...

 

لا تجعل الغضب أو الشعور بالظلم يفسد علاقتك بوالدك، فربما هو لا يعرف أنه يضغط عليك نفسيًّا، وقد نشأ في بيئة ترى أن القسوة طريق القوة؛ فكن لينًا في قولك، حازمًا في موقفك، ووازن بين طاعتك له وبرّك به، وبين الحفاظ على كيانك واستقلالك.

 

همسة أخيرة:

 

اعلم أنّ الرجولة الحقيقية ليست في حمل الأعباء مبكرًا، بل في تحمّلها بوعيٍ وعدلٍ ورضا؛ فكن أنت الحكيم الذي يُحوّل ضغط التجربة إلى نضج، لا إلى مرارة.

 

وثق أن الله يرى صبرك وسعيك، وسيعوّضك عن كل تعبك خيرًا إن شاء الله تعالى.

 

روابط ذات صلة:

أبي استحوذ على أموال غربتي.. ماذا أفعل؟!

الرابط المختصر :