استخدام التقنيات الحديثة في النظام القضائي في ميزان الشرع

Consultation Image

الإستشارة 08/09/2026

ما الحدود الأخلاقية والشرعية لتقنيات القراءة المباشرة للأفكار والمشاعر ومدى جواز استخدامها في التحقيقات الجنائية أو المحاكمات؟

الإجابة 08/09/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الضروريات الخمس الدين، النفس، العقل، العرض، والمال، وأقامت نظام الإثبات الجنائي على معايير العدالة واليقين، ومراعاة الكرامة الإنسانية التي حماها الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. ومع الطفرة التقنية المعاصرة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتصوير العصبي الوظيفي وتقنيات قراءة النشاط الدماغي، والاستشعار العصبي للمشاعر والأفكار، برزت تساؤلات فقهية حول مدى مشروعية استخدام هذه التقنيات للنفاذ إلى سرائر الإنسان وعقله الباطن في التحقيقات الجنائية والمحاكمات القضائية.

 

اختصارًا: يَحرم شرعًا استخدام تقنيات القراءة المباشرة للأفكار والمشاعر أو التفتيش العصبي على المتهمين أو الشهود قسرًا أو دون إذنهم الحر الصريح؛ لما فيه من الانتهاك الصارخ لخصوصية الإنسان، والإكراه المعنوي المحرم، والتجسس على السرائر التي جعل الله أمرها إليه وحده. أما إذا استخدمت هذه التقنيات بناءً على طلب المتهم وإرادته الكاملة لغرض نفي التهمة عن نفسه، وكانت التقنية قد بلغت درجة عالية من القطعية والضبط العلمي، فيجوز للقاضي الاستئناس بها كـ "قرينة قضائية مجردة" تُعزز الأدلة والبينات الأخرى، دون أن ترتقي لتكون حجّة قاطعة بذاتها لإثبات أدلة الإدانة أو توقيع العقوبات الحدّية والقصاص.

 

وتفصيلاً:

 

شرح مبسط لهذه المعاملة وتوضيح المحاذير الشرعية فيها:

 

تعتمد تقنيات القراءة الذهنية والعصبية الحديثة على تحليل الإشارات الكهربائية وتدفق الدم في أجزاء المخ فيما يعرف ببصمة الدماغ أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لفك تشفير الأفكار، والتثبت مما إذا كان الشخص يحمل ذكريات معينة عن موقع الجريمة، أو رصد التغيرات العاطفية والنفسية المقترنة بالكذب أو الخوف.

 

المحاذير الشرعية في هذه المعاملة:

 

هتك الحرمة والحرية الشخصية والتجسس على السرائر: العقل الباطن والأفكار الذهنية هي الخصوصية الأشد حرمة للإنسان، واختراقها بالقوة التقنية يُعدّ أعتى صور التجسس والاطلاع على الخبايا التي أمر الشرع بسترها.

 

الإكراه المعنوي وسلب الإرادة: استخدام هذه الأجهزة بغير رضا الشخص يفوق أساليب التعذيب والإكراه البدني؛ لأنها تستخرج معلومات من جسم الإنسان وعقله رغمًا عنه، دون أن يعطي حتى فرصة للصبر والصمود أمام جلاديه، والإكراه يبطل الاحتجاج بالأدلة المتحصلة منه.

 

المؤاخذة على حديث النفس: الشريعة الإسلامية أصلت أن الإنسان لا يُحاسب على خواطره وحديث نفسه ما لم يترجم ذلك إلى قول أو فعل مادي ظاهري.

 

نسبية النتائج وعدم القطعية: تعتمد هذه التقنيات على الترابط الاحتمالي والخوارزميات البرمجية، وتتأثر بالاضطرابات النفسية والخوف والصدمات؛ مما يعرضها للخطأ واللبس، والأحكام الجنائية تُبنى على اليقين لا على الشك والظن.

 

منع التفتيش عن السرائر والنهي عن الإكراه

 

من السنة النبوية المطهرة:

 

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ أَنْ أَنقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» صحيح البخاري: 4351، وصحيح مسلم: 1064. وهذا أصل صريح في منع النفاذ إلى ما أكنته الصدور والقلوب.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتي ما حَدَّثَتْ به أَنْفُسَها، ما لَمْ تَتَكَلَّمْ أوْ تَعْمَلْ» صحيح البخاري: 5269.

 

القضاء العادل في عهد الصحابة:

 

أُثر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري 2641: «إنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإنَّما نَأْخُذُكُمُ الآنَ بما ظَهَرَ لَنَا مِن أَعْمَالِكُمْ... فَمَن أظْهَرَ لنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وقَرَّبْنَاهُ، وليسَ لَنَا مِن سَرِيرَتِهِ شيءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ».

 

الإمام الشاطبي ت 790هـ:

 

قرر في كتابه "الموافقات" 3/ 261 أن التكليف الشرعي والقضاء إنما يناط بالظواهر لا بالسرائر، حيث قال: "إنَّ الأحكامَ الشرعيةَ إنما تُبنى على الظواهرِ لا على السرائرِ، والشارعُ لم يكلّفنا بالتفتيش عن البواطن، بل أمرنا بإمرارِ الأحكام على الظاهر، وأوكلَ السرائرَ إلى الله تعالى".

 

الإمام ابن قيم الجوزية ت 751هـ:

 

بيّن في كتاب "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" ص 15 حقيقة القرائن ودور الفراسة، وأكد أن الاستدلال بالقرائن يكون فيما ظهر من الأفعال والأحوال، ولا يجوز هتك المستور أو استخراج المكتوم بالإكراه أو هتك الحرمات؛ لأن التهمة لا تبيح انتهاك أصل الكرامة.

 

وترى الكثرة الكاثرة من الباحثين المعاصرين في أبحاث الفقه الجنائي المقارن وتطبيقات التقنية في القضاء أنه إذا طلبت النيابة أو القاضي استخدامها دون موافقة المتهم فهو إجراء باطل شرعًا وقانونًا، وما يترتب عليه من اعترافات أو أدلة فهو باطل فما بُني على باطل فهو باطل. أما إذا أُجريت بطلبٍ اختياري من المتهم لدفع التهمة، فتعدّ قرينة قضائية معززة شريطة تحقق السلامة العلمية للتقنية وعدم انفرادها بالحكم.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في استخدام التقنيات الحديثة في النظام القضائي:

 

نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّوَاهِرِ وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ:

 

أصل حاسم في الفقه الجنائي والقضائي الإسلامي؛ فالأحكام والعقوبات ترتبط بالأفعال المادية المقترنة بالأدلة الظاهرة، ولا يجوز جعل ما بداخل الصدور والخواطر محلاً للمحاكمة.

 

الأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ:

 

المتهم يتمتع بحماية الشرع وأصل البراءة حتى تثبت إدانته ببيّنة شرعية ظاهرة ومقبولة، ولا يجوز تجريده من حريته الذهنية أو النفاذ إلى عقله لإجباره على نفي التهمة أو إثباتها.

 

لا تَجَسَّسُوا حُرْمَةُ التَّجَسُّسِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى المَسْتُورِ:

 

قاعدة قرآنية تحرم البحث والتنقيب عن خبايا الإنسان وأسراره، ومحاولة اختراق الفكر والمشاعر عبر أجهزة تقنية تُعد من أخص صور التجسس المحرم شرعاً.

 

الإِكْرَاهُ المَعْنِوِيُّ يُبْطِلُ الِاحْتِجَاجَ:

 

استخلاص المعلومات أو الانفعالات من عقل الإنسان دون إرادته الحرة يقع تحت طائلة الإكراه، وقد قال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ وضع عن أُمَّتي الخطَأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليه»؛ لذا لا تُعدّ المخرجات القسرية لهذه الأجهزة بينة سائغة للإدانة.

 

دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ:

 

إن مصلحة الكشف عن الجرائم عبر قراءة العقول تقابلها مفسدة أعظم بكثير، وهي هتك كرامة الإنسان وسلب الحرية الذهنية وتصنيع أداة للاستبداد؛ فرعايتها وإغلاق هذا الباب بحدود شرعية صارمة واجب درءاً لهذه المفسدة العظمى. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

استخدام الذكاء الاصطناعي لإصدار الأحكام القضائية

التعليقات

الرابط المختصر :