استخدام الذكاء الاصطناعي لإصدار الأحكام القضائية

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : قضايا معاصرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 833
  • رقم الاستشارة : 2415
21/08/2025

فضيلة المفتي، أمام التطور الصاعق لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت بعض الدول تجرّب استخدام "القضاة الآليين" و"المفتين الروبوتات"! فهل يجوز شرعاً أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محل القضاة أو المفتين في أمور مصيرية؟ والسؤال يكتسب خطورته من أن: هذه الأنظمة لا تملك مشاعر أو ضميراً يدرك ظروف الناس، فهي تحكم بمجرد معادلات رياضية! تفتقد القدرة على الاجتهاد الشرعي، فهي لا تفهم المقاصد ولا تزن المصالح والمفاسد. سجلت أخطاءً فادحة: ففي أمريكا أدانت خوارزميات أبرياء لأنها تحابي بعض الأعراق!

نرغب ببيان حكم الشرع في: استخدام الذكاء الاصطناعي لإصدار الأحكام القضائية (حتى لو في قضايا بسيطة). الاعتماد على الفتاوى الآلية من مواقع أو تطبيقات ذكية. موقف المسلم من العمل في تطوير هذه الأنظمة إن كانت ستستخدم في القضاء أو الفتوى.

مع العلم أن: بعض الأنظمة تُستخدم فعلياً في الصين وأمريكا لتسريع التقاضي. هناك ضغوط لتوسيع استخدامها بحجة "الحياد" و"السرعة"، بينما هي تفتقد لأساسيات العدالة.

فنستفتيكم: هل يصح شرعاً أن نستبدل القاضي البشري (الذي يعيش هموم الناس) بآلة لا تعرف الرحمة؟ وهل تصح الفتوى من برنامج لا يفقه مقاصد الشريعة؟ ننتظر توجيهكم حفظكم الله، فقد أصبحنا أمام مفترق طرق: إما أن نحافظ على إنسانية القضاء والفتوى، أو نترك مصائر الناس لآلات بلا قلب ولا ضمير!

ملحق توضيحي: كيف تعمل أنظمة القضاء الآلي؟ آلية العمل: تُدخل البيانات القانونية (نصوص، سوابق قضائية). تحلل القضية الحالية بمقارنتها بالسوابق. تصدر حكماً بناءً على الاحتمالات الإحصائية لا الاجتهاد الشرعي.

مشاكلها الجوهرية: لا تميز بين المتشابهات (كالسرقة بدافع الجوع أو الطمع). تتعامل مع البشر كأرقام لا كبشر لهم ظروف خاصة. لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن أخطائها.

أمثلة واقعية: في الصين: أحكام آلية في نزاعات التجارة الإلكترونية (بدون استئناف!).

في أمريكا: خوارزميات تقترح مدة السجن بناءً على "احتمالية العودة للجريمة" (بتحيز عنصري).

ختاماً: العدالة ليست مجرد تطبيق آلي للنصوص، بل تحتاج إلى قلب يعرف الرحمة، وعقل يزن المصالح. فهل تقبلون -فضيلتكم- أن يحكمنا يومًا ما روبوت لا يعرف معنى العدل إلا كمعادلة رياضية؟!

الإجابة 21/08/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فنشكر لكم -أخي الكريم- هذه المعلومات الدقيقة والقيمة التي لم تترك لنا شيئًا نقوله، غير تأكيدنا على ما ذكرتموهم، وأنه لا يجوز بحال استعمال هذه البرامج في القضاء ولا في الفتوى؛ لأن كليهما مرتبط بالواقع ومتأثر به وجودًا وعدمًا، فالأصل براءة الذمة، وأن الضرورات تبيح المحظورات، ولا مانع من استعمال هذه البرامج في جمع المعلومات أو توثيقها، أو إعداد مراجع للقاضي أو المفتي، لكن يظل هو المسئول الأول والأخير عن الفتوى والحكم القضائي.

 

يقول الله تعالى مخاطبًا نبيًّا وليس قاضيًا عاديًّا: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].

 

ويقول تعالى مخاطبا نبيه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 48- 49].

 

ويقول ﷺ: القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو للنار.

 

ويقول ﷺ: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

 

والله تعالى أعلى وأعلم.

الرابط المختصر :