المسؤولية الشرعية في إهدار الطعام الفائض في المطاعم والفنادق

Consultation Image

الإستشارة 25/10/2026

مدير مطعم في فندق فخم يُلزم العمال برمي مئات الكيلوجرامات من الأطعمة الصالحة للأكل يومياً في القمامة بعد انتهاء البوفيه، خوفاً من المساءلة القانونية (سياسات الصحة والسلامة للشركات) إذا تبرعوا بها للفقراء وحدث لهم تسمم. هل تبرئ هذه "السياسات المؤسسية" ذمة المدير والملاك شرعاً من إثم إتلاف المال العام وإهدار النعمة في ظل وجود جياع ومحتاجين حولهم؟

الإجابة 25/10/2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، والأصل في الشريعة الإسلامية وجوب صيانة النعم وتحريم إتلافها أو إهدارها، لما في ذلك من تضييع للمال وحرمان للمحتاجين. وفي الوقت ذاته، جاءت الشريعة برفع الحرج عن غير المسؤول عن اتخاذ القرار، ومراعاة المسؤولية بحسب الصلاحيات والقدرة على التغيير. فحفظ النفس ودفع الضرر المعتبر عن الإنسان كالملاحقة القانونية أو قطع الرزق مقصد شرعي، والواجبات تسقط بالعجز أو خشية الضرر الأكبر، مما يستوجب الموازنة بين حفظ النعمة من الهدر، وبين حماية الموظف من تبعات لا طاقة له بها، والسعي الجاد لإيجاد مخرج يجمع بين المصلحتين.

 

اختصارًا:

 

إتلاف الأطعمة الصالحة للاستهلاك رميًا في القمامة فعلٌ محرم شرعًا وإهدار للمال، وتقع مسؤولية هذا الإثم ووزره الأساسي على "مُلاك المطعم أو الفندق وصُناع القرار" الذين وضعوا هذه السياسات دون توفير بدائل آمنة. أما "المدير التنفيذي أو الموظف"، فلا تلزمه الشريعة بمخالفة اللوائح إذا كان ذلك سيعرضه لضرر محقق لا طاقة له به كالفصل من العمل، أو السجن، أو الغرامة المالية الطائلة، إذ لا يُطالب المكلف بتحمل مفسدة أكبر لدرء مفسدة أصغر. والواجب الشرعي على الجميع ملاكًا وإدارة هو السعي المشترك لإيجاد صيغة مؤسسية وقانونية تضمن التبرع بالطعام للجهات المختصة كبنوك الطعام التي تتحمل العبء القانوني، لضمان وصول النعمة لمستحقيها دون الإضرار بأي طرف.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: تحريم إهدار النعمة وإضاعة المال:

 

إلقاء الطعام الصالح في القمامة هو تبذير وإهدار للنعمة والمال في غير حقه، وهو محرم بنص القرآن والسنة، قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. الأعراف: ٣١

 

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ".

 

وقال الإمام ابن حجر: "الْكَبِيرَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ: إضَاعَةُ الْمَالِ... لِأَنَّ فِي إضَاعَتِهِ إفْسَادًا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُضَيِّعَهُ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ فَيَكُونُ قَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَعَصَى رَبَّهُ، أَوْ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ فَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ".

 

ثانيًا: المسؤولية الشرعية على المُلاك أو العمال:

 

يُناط الحكم الشرعي بالقدرة والاستطاعة، وبناءً عليه تُقسّم المسؤولية:

 

مسؤولية الملاك وأصحاب القرار: تقع عليهم المسؤولية العظمى والإثم الأكبر؛ لأنهم يملكون سلطة تعديل السياسات. والتعذر بـ "الخوف من المساءلة" لا يبرر لهم الإتلاف المتعمد في ظل وجود مؤسسات مرخصة كجمعيات حفظ النعمة المستعدة لنقل الطعام وتحمل المسؤولية القانونية والصحية بالنيابة عن الفندق.

 

مسؤولية المدير أو الموظف: الشريعة لا تلزم المدير بالتصرف المنفرد المخالف للقواعد إذا كان سيلحقه ضرر بالغ، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، ولقول النبي ﷺ: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق" رواه الترمذي وقال: حسن غريب.

 

قال الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/134: "وكل طاعة أوقعت في مفسدة تربو على مصلحتها سقط وجوبها... لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح". فمفسدة تدمير حياة المدير الوظيفية والاجتماعية بفصله أو سجنه أعظم من مصلحة إنقاذ الطعام، فلا يُلزم بالتمرد على اللوائح، ولكن يلزمه "الإنكار القلبي" و"النصيحة الإدارية" بحسب قدرته.

 

ثالثًا: السعي لإيجاد صيغة توافقية الجمع بين المصالح:

 

لا يقف الشرع عند حدود المنع، بل يوجه لإيجاد الحلول التي ترفع الحرج. يجب على الإدارة رفع مقترحات مدروسة للملاك تُثبت إمكانية التخلص الآمن من الطعام عبر طرف ثالث قانوني مثل بنوك الطعام المعتمدة محليًّا. هذا الطرف يوقع تنازلات قانونية تحمي الفندق تمامًا من الملاحقة إذا حدث تسمم، وتقوم هذه الجمعيات بفرز الطعام ونقله بسيارات مبردة تخضع للمعايير العالمية.

 

قال الإمام الشاطبي: "المصالح والمفاسد الراجحة هي المعتبرة... ولا يُلتفت إلى الموهومات". فاحتمال المساءلة بعد توقيع العقود القانونية مع بنوك الطعام هو ضرر "موهوم" لا يجوز أن يُعطل مصلحة إطعام الجياع وحفظ الموارد.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في المسؤولية الشرعية في إهدار الطعام الفائض في المطاعم والفنادق:

 

لا واجب مع العجز، ولا مُحرم مع الضرورة: فلا يجب على المدير إنقاذ الطعام إذا عجز عن ذلك قانونيًّا وإداريًّا، وكانت مخالفته ستوقعه في ضرر معتبر كقطع رزقه.

 

الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف: فإذا تعارض إتلاف الطعام بالنسبة للمدير مع هلاك المدير وتدمير مستقبله الوظيفي والقانوني، احتُمل الضرر الأخف لدرء الأشد، وهذا خاص بالمدير المغلوب على أمره، لا بالمُلاك، وعليه السعي لتدارك هذا الأمر بكل ما أوتي من قوة.

 

الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه: لا تكلف الشريعة المسلم برفع مفسدة الجوع عن الفقراء بإيقاع مفسدة السجن أو الغرامة والفقر على نفسه وعياله.

 

ما لا يدرك كله لا يترك جله: يجب على الإدارة السعي لتعديل السياسات تدريجيًّا، والتبرع بما لا يُخشى منه التسمم السريع كالمخبوزات والأطعمة الجافة والفاكهة غير المقطعة، وتخفيض كميات الإنتاج في البوفيهات لتقليل الفائض، درءًا للإسراف من منبعه. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

فوائض طعام الفنادق والمطاعم.. مقترحات وحلول لحفظ النعمة

كيف يعالج الدعاة ظاهرة الإسراف والتبذير في المناسبات الاجتماعية؟

التعليقات

الرابط المختصر :