انفعال الداعية على مخالفيه.. غيرة على الدين أم انتصار للنفس؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 52
  • رقم الاستشارة : 5452
01/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أصبحت ألاحظ في الآونة الأخيرة انتشار عدد من الدعاة وطلبة العلم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما في البثوث المباشرة، حيث يتحدثون عن الإسلام والدعوة إليه، لكن بعضهم إذا خالفه أحد، أو طرح سؤالًا لا يعجبه، انقلب أسلوبه إلى العصبية، وارتفع صوته، واستعمل عبارات جارحة أو مستفزة، بل وربما سخر من السائل أو انتقصه، ثم يبرر ذلك بأنه يغار على الدين ولا يجامل في الحق.

هذا الأمر جعلني في حيرة؛ لأنني أقرأ في القرآن الكريم والسنة النبوية كثيرًا من النصوص التي تحث على الرفق، والحكمة، وحسن الخلق، حتى في مخاطبة المخالفين، وأخشى أن يكون هذا الأسلوب سببًا في تنفير الناس من الإسلام، خاصة غير المسلمين أو المسلمين الجدد أو من لديهم تساؤلات صادقة.

لذلك أرجو من فضيلتكم توضيح عدة أمور:

- هل يجوز للداعية أن يستخدم الألفاظ الجارحة أو الأسلوب الفظ بحجة الدفاع عن الدين؟

- وهل تعد الغيرة على الدين مبررًا لسوء الأدب أو الغضب غير المنضبط أثناء الدعوة؟

- وكيف يوازن الداعية بين الحزم في بيان الحق وبين الرحمة وحسن الخلق؟

- وما النصيحة للدعاة وطلبة العلم الذين يظهرون في وسائل التواصل حتى يكونوا قدوة حسنة في أخلاقهم قبل أقوالهم؟

- وما توجيهكم للمشاهدين حتى لا يظنوا أن هذا الأسلوب يمثل أخلاق الإسلام ومنهجه في الدعوة؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بعلمكم، ووفقكم إلى ما فيه صلاح الدعاة وهداية الناس.

الإجابة 01/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله -تعالى- أن يبارك في غيرتك المحمودة على الدين والدعوة إليه، وأن يرزقك وإياي الفهم والفقه في الدين، وبعد...

 

فإن المنصات الإلكترونية الحديثة على الرغم من أنها فتحت آفاقًا واسعة لإيصال الخير للناس في مشارق الأرض ومغاربها، فإنها وضعَت الدعاة وطلبة العلم تحت اختبارات نفسية وسلوكية معقدة، تكشف عن مدى امتثال الداعية لأخلاق الإسلام وقيمه، قبل تقييم علمه وثقافته.

 

هل يجوز للداعية استخدام الألفاظ الجارحة أو الأسلوب الفظ؟

 

الأصل الشرعي أن الأسلوب الفظ والألفاظ الجارحة محرَّمة ومذمومة، ولا تبيحها غاية الدفاع عن الدين. فالإسلام لم يكتفِ بتحديد الغايات فحسب، بل ضبط الوسائل وجعلها من جنس الغايات في الطهر والنقاء.

 

ولقد قرر القرآن الكريم منهج الدعوة والخطاب في آيات محكمة صريحة، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. وتأمل كيف قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي بأعلى درجات اللين واختيار الكلمات.

 

وكان الخطاب الرباني لنبيه ﷺ -وهو يواجه أعتى الكفار والمشركين- مبنيًّا على الرحمة واللين، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فإن كان رسول الله ﷺ -وهو المؤيد بالوحي- لو كان فظًّا غليظ القلب لانفض الناس من حوله، فكيف بمن هو دونه من الدعاة والعلماء؟!

 

ومن أحاديث النبي ﷺ الصريحة في هذا الباب، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ» [رواه مسلم]. وقال ﷺ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا» [متفق عليه].

 

وقد قال الإمام سفيان الثوري -رحمه الله- في شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى».

 

إن اللجوء إلى السخرية أو الألفاظ الجارحة يعكس عجزًا في الحجة أو ضعفًا في ضبط النفس، ويتحول معها الخطاب من دعوة إلى الله إلى مجرد انتصار مذموم للنفس.

 

هل تعد الغيرة على الدين مبررًا لسوء الأدب والغضب؟

 

الغيرة على حرمات الله خُلق محمود، ولكن الغيرة الشرعية الصادقة هي التي تنضبط بأحكام الشريعة وآدابها. أما الغضب الذي يخرج بصاحبه إلى الفحش والسخرية والانتقاص، فهو غضب للنفس وليس غضبًا لله، حتى وإن توهم صاحبه غير ذلك.

 

فالغيرة الصادقة تثمر حرصًا على هداية العاصي والمخالف وشفقة عليه، لا تشفيًا منه ولا استعلاءً عليه.

 

تأمل موقف النبي ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد؛ وهو أمر شنيع ينتهك حرمة بيت الله. هَبَّ الصحابة -رضي الله عنهم- غيرةً على الدين وعلى المسجد وشرعوا يقعون فيه، ولكن كيف يتصرف من ملأ الله قلبه غيرةً حكيمة ورحمةً بالناس؟ قال لهم النبي ﷺ: «دَعُوهُ وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» [رواه البخاري]. ثم دعا الأعرابي وعلَّمه بالرفق أن المساجد يجب أن تنزَّه عما فعل.

 

فالغيرة غير المنضبطة تؤدي إلى نفور القلوب، بينما الغيرة المقترنة بالحكمة والرحمة تثمر هدايةً وإقبالًا.

 

كيف يوازن الداعية بين الحزم والرحمة؟

 

فلنتفق -أخي الفاضل- على أن المعادلة التي تحكم هذا الأمر هي: «الحزم في المضمون، والرحمة في الأسلوب». بمعنى أن الحزم يكون في الثبات على الحق وعلى النص الشرعي، وعدم مداهنة الباطل، وتوضيح الحلال والحرام بوضوح لا لبس فيه ولا تمييع. وأن الرحمة تكون في طريقة التقديم، والأسلوب، وطبيعة الخطاب، واختيار العبارات، والشفقة على المخالف، والحرص على نجاته.

 

فعندما يخاطب الداعية شخصًا هدفه الجدال بالباطل والتشكيك في الثوابت، فإن المسلك الخاطئ من الداعية يكون بزجره، واتهامه في نيته، ووصفه بالجهل أو النفاق، ورفع الصوت عليه. أما المسلك القويم فيكون بتفكيك الشبهة بالحجة العلمية القاطعة والواضحة، مع مخاطبته بأدب واحترام، والثناء على بحثه عن المعرفة، والدعاء له بالهداية.

 

اقتراحات عملية للدعاة على المنصات

 

1- تجريد النية والرقابة الذاتية: التثبت المستمر من استحضار النية الخالصة لله قبل فتح البث، وسؤال النفس: هل الهدف إظهار الحق وهداية الخلق، أم هزيمة الخصوم وجمع المتابعين والوصول للتريند والشعور بالزهو؟

 

2- ضبط الانفعال: البث المباشر يضع الإنسان تحت ضغط نفسي وعصبي. فإذا شعر الداعية بغضب أو إرهاق أو استفزاز، ووجد أنه لن يستطيع التحكم في ردود أفعاله، فعليه إما إغلاق البث وإما أخذ استراحة.

 

3- الفصل بين الحق والنفس: إذا تعرض الداعية للإساءة الشخصية من سائل أو مستمع، فليقتدِ بالرسول ﷺ الذي «مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ» [متفق عليه]. وليتذكر قول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

 

4- وضع قواعد للحوار: يجب أن يعلن الداعية قواعد للحوار قبل بدء البث، كأن يقول: «نحن هنا لنتدارس العلم بالأخلاق الحسنى التي حثَّنا عليها ديننا، ولن نرد على من يتجاوز أدب الحوار إلا بالتجاهل أو الحظر دون سخرية أو تجريح».

 

5- التدرب على مهارات التواصل: فهي من أهم المهارات التي يجب أن تكون لدى الداعية، فليقرأ فيها بعمق، أو يحضر دورة تدريبية عملية تكسبه إياها، ليتعلم كيف يتواصل مع المدعوين، وكيف يتصرف في المواقف المحرجة أو المستفزة.

 

نصيحة للمشاهدين والمتلقين

 

حتى لا يقع أي متابع للدعاة في الحيرة، أو يظن أن هذا الأسلوب الفظ يمثل دين الله عز وجل، يجب أن نتفق على القواعد التالية:

 

1- التفريق بين «الإسلام» و«المسلمين»: إن الإسلام حُجة على الناس، وليس أحد من الناس -غير المعصوم ﷺ- حجة على الإسلام. فالأشخاص يصيبون ويخطئون، وتغلبهم نفوسهم وأهواؤهم أحيانًا، أما الدين فكامل معصوم.

 

2- التماس الأعذار دون إقرار الخطأ: قد يكون الداعية مجهدًا، أو مر بظروف ضاغطة، أو واجه استفزازات متكررة لا يعلمها المشاهد. فنلتمس له العذر في تصرفه؛ لكننا لا نُقر أسلوبه الخاطئ ولا نجعله نموذجًا يُحتذى.

 

3- انتقاء من نستمع إليه: كان السلف يقولون: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، فلنبحث عن العالم والداعية الذي يجمع بين أصالة العلم، وسمو الخلق، والرفق بالناس.

 

4- النصح بالتي هي أحسن: إذا رأيتَ من داعية زلة أو شدة، فلا تُشهِّر به، ولا تهاجمه على الملأ؛ بل أرسل له رسالة خاصة تنصحه فيها برفق وأدب، فالمؤمن مرآة أخيه.

 

وختامًا أخي الكريم، إن الدعوة إلى الله -تعالى- هي أشرف المقامات، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين، وأول شرط لنجاحها هو الاتصاف بصفات المبعوث رحمة للعالمين ﷺ الذي قال فيه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. ولا ينبغي لسالك طريق الدعوة أن يقطع الطريق على السالكين بفظاظة أسلوبه أو سوء عبارته.

 

فاللهم اهدِ دعاة الإسلام، ووفقهم لما تحب وترضى، واجعلهم رحمة للعالمين، ومفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم أجرِ الحق على ألسنتهم، واجمع في قلوبهم بين الحكمة والرحمة، واجعلنا جميعًا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

الداعية والإعلام الجديد.. كيف أحفظ دَعوتي من زلّات ردود الفعل؟

الرابط المختصر :