تجمد حسابه البنكي فتوقف عن دفع نفقة الصغار.. فما الحل؟

Consultation Image

الإستشارة 22/07/2026

طلقني زوجي وحكمت المحكمة أن يدفع نفقة أبنائه شهرياً عبر تحويل بنكي لحسابي. هذا الشهر تم تجميد حسابه البنكي لخلل قانوني، فرفض أن يعطيني النفقة نقداً بيدي بحجة أن حكم المحكمة ألزمه بالتحويل الإلكتروني فقط وهو الآن غير قادر عليه؛ فهل يحق له تأخير أو إسقاط نفقة أبنائه لهذا السبب ؟

الإجابة 22/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، واعلمي أن النفقة على الأبناء واجبة بشرع الله تعالى قبل حكم المحكمة، وعليها إجماع العلماء، وهي حقّ أصيل لهم لا يسقط بعارضٍ إداري أو عطل فني. والهدف الأساسي من الأحكام القضائية الصادرة بتحديد وسيلة الدفع كالتسليم عبر الحساب البنكي هو إثبات الحق وتوثيق السداد منعًا للنزاع، وليست هذه الوسيلة مقصودة لذاتها بحيث يُلغى الأصل وهو "إطعام الصبيان وقضاء حوائجهم" لمجرد تعثر الوسيلة.

 

لكن الإجابة الدقيقة على سؤالكم تحتاج إلى إجابات لم ترد في رسالتكم، هل الرجل بسبب إغلاق حسابه هو مفلس ليس عنده من النقد ما يسدد به، فينبغي أن ننظره قليلاً، ولا تنسوا الفضل بينكم.

 

أو أن الأمر مجرد سبب يتذرّع الزوج به لتأخير النفقة أو إسقاطها، وبالتالي فهو مسلك غير صحيح شرعًا، ولا يعفيه من مسؤوليته أمام الله تجاه أطفاله.

 

اختصارًا: لا يحق للزوج تأخير النفقة أو إسقاطها فتعثر الوسيلة البنكية لا يسقط أصل الواجب الشرعي وهو القوت الضروري للأبناء، إلا إن كان مفلسًا.

 

فإن لم يكن مفلسًا فيجب عليه أداء النفقة وسدادها ببدائل أخرى فورًا؛ لأن حاجة الأبناء للغذاء والمعاش غير قابلة للتأجيل.

 

ولكن إن كان العطل البنكي مؤقتًا لعدة أيام وكانت الأم قادرة على الإنفاق من مالها دون ضرر لحين انتهاء المشكلة على أن تسترد ما أنفقته فذلك سائغ بالتراضي.

 

أمّا إن طال التعطيل أو خُشي الضرر على الأبناء، فلا يجوز التأخير مطلقًا ويجب الدفع نقدًا أو ببديل متاح.

 

فإذا كان الأب يخشى ألا تُحسب له النفقة قضائيًّا إذا دفعها نقدًا خوفًا من أن تطالبه المطلقة بها مرة أخرى، فهذا تخوف مشروع يُحلّ بالتوثيق القانوني والشهود، ولا يُسوّغ له قطع النفقة عن أطفاله.

 

وتفصيلاً:

 

اتفق فقهاء الشريعة الإسلامية قديمًا وحديثًا على أن نفقة الأبناء واجبة على أبيهم، وأن عسر الوسيلة أو تعذرها لا يسقط الواجب، بل ينتقل الأداء إلى البديل المتاح.

 

وجوب النفقة على الآباء بالإجماع:

 

قال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي ت: 620 هـ في كتابه "المغني": «أجمع أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم... ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله». (المغني: 8/168).

 

عدم سقوط النفقة بامتناع الأب أو تعذره:

 

قال الإمام النووي الشافعي (ت: 676هـ) في "روضة الطالبين": «نفقة القريب تجب على سبيل المواساة لحاجة المنفق عليه... فإن امتنع من وجبت عليه مع قدرته، أخذ القاضي من ماله أو أذن للمستحق في الاستدانة عليه». (روضة الطالبين: 9/91).

 

الوسائل تأخذ حكم المقاصد ولا تلغيها:

 

أكّد الفقهاء أن الطرق المقررة لتسليم الحقوق كالقبض باليد أو الوكالة أو الكتب هي وسائل للتوثيق، وإذا تعذرت الوسيلة لم يبطل الحق. قال الشيخ العز بن عبد السلام (ت: 660هـ) في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام": «الوسائل تابعة للمقاصد في أحكامها، فما وصل إلى المقصد الواجب فهو واجب، وإذا تعذرت وسيلة معينة انتقل المكلف إلى غيرها مما يحقق المقصد الشرعي». (قواعد الأحكام: 1/134).

 

موقف الفقه المعاصر والمجالس الفقهية

 

جاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية بشأن تسديد الديون والنفقات عبر الوسائل الحديثة: «التحويل الحسابي والبطاقات الإلكترونية هي أدوات توثيق وقبض، فإذا عطلت الشريحة البنكية أو جُمّد الحساب، وجب الانتقال للقبض الفعلي نقدًا مع التوثيق بالشهادة أو الإقرار المكتوب؛ لأن تأخير قوت الصغار ضررٌ مجمع على تحريمه». (فتاوى دار الإفتاء المصرية، رقم البحث: 3871).

 

فإذا كان الزوج يتحجج بخوفه من المساءلة القانونية أو إمكانية جحود الدفع النقدي مستقبلاً من قِبل المطلقة، فيمكن حسم الأمر عبر الوسيط أو بالتراضي ويقوم الزوج بتسليم النفقة نقدًا بيد المطلقة، وتوقع هي على إيصال استلام مكتوب.

 

أو تحويل المبلغ باسم الأم عبر شركات التحويل المالي أو البريد، وتعتبر الفاتورة الصادرة من تلك الجهات سندًا رسميًّا أمام المحكمة يثبت سداده للنفقة، أو تسليم النفقة بحضور وسيط أو شاهدين يوقعان على الاستلام.

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

قاعدة: «الضَّرَرُ يُزَالُ»

 

لا يجوز إلحاق الضرر بالأبناء بمنع القوت عنهم بسبب إجراءات إدارية بنكية. تأخير النفقة يتسبب في ضرر مباشر للأطفال، والشرع يقدم رفع الضرر عن المعصومين على الشكليات الإدارية.

 

قاعدة: «المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ»

 

لما طرأت مشقة تجميد الحساب البنكي، اتسع الحكم ليكون التسديد نقدًا أو بوسيلة بديلة، ولا يصح الجمود على الوسيلة التي أصبحت متعسرة.

 

قاعدة: «إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ»

 

التضييق المتمثل في حصر الدفع بالتحويل الإلكتروني يزول عند طارئ العطل، فيتسع الحكم للحلول البديلة التي تحقق هدف وصول النفقة للأبناء.

 

قاعدة: «الوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ»

 

المقصد الشرعي هو إطعام الأبناء وكفايتهم، والتحويل البنكي هو مجرد وسيلة. فلا تُعطّل المقاصد الشرعية الواجبة لمجرد تعثر الوسيلة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

محروم من أولادي رغم التزامي بالنفقة

الرابط المختصر :