تغار من حافظات القرآن والمؤثرات اجتماعيًّا.. لا شيء مجَّاني!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 40
  • رقم الاستشارة : 5790
08/09/2026

السلام عليكم.

أنا شابة 26 عامًا، ودائمًا لما أسمع عن بنت بعمري ختمت حفظ كتاب الله، أو ألمح في منصات التواصل بنات يكتبون خواطر إيمانية جميلة، يجيني شعور غريب، يضيق صدري وأحس بغصة، وأقول بنفسي: "ليه أنا مو مثلهم؟ ليه هم ربي وفقهم للخير وأنا لاء؟".

ودّي أوضح لكم نقطة مهمة: أنا والله ما أتمنى زوال النعمة عنهم، ولا أحسدهم بالمعنى اللي يضرهم، وأدعي لهم بالبركة، لكن المشكلة إن الشعور اللي يجيني يخليني أحس بنقص شديد وإحباط، وكأن بيني وبينهم مسافة كبيرة.

والأصعب من هذا كله، إني لما أقعد مع نفسي بصدق، أكتشف إني أبغى أصير مثلهم "ببلاش"! يعني خاطري أكون حافظة ومؤثرة ومتقربة من الله، بس بدون ما أبذل نفس الجهد والتعب والسهر والالتزام اللي هم بذلوه. أعترف بيني وبين ربي إني مقصرة وكسولة.

فهل هذا الشعور يُعتبر من الغيرة المذمومة أو الحسد الحرام؟

وهل حزني وشعوري بالنقص يدل على ضعف قناعة بما قسمه الله لي؟

وكيف أقدر أتخلص من هذا الخمول، وأحوِّل هذه الغيرة إلى دافع حقيقي للعمل والاجتهاد، بدون ما تلتوي نيتي أو يدخلها الرياء وحب الظهور؟

جزاكم الله خير الجزاء.

الإجابة 08/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأحيِّي فيك هذه الشجاعة النادرة في المصارحة والشفافية مع النفس، فهذا شأن الصادقين الذين يبحثون عن علاج لأخطائهم لا عن تسويغ لخطاياهم. أسأل الله العلي القدير أن يبارك في عمرك وشبابك، وأن يثبِّت قلبك على طاعته، وأن يرزقك علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، وأن يجعل كتابة هذه السطور بداية فتحٍ ونورٍ وتوفيقٍ لك في الدنيا والآخرة، وبعد...

 

هل هو حسد حرام أم غبطة محمودة؟

 

إن الشعور الذي تجدينه في صدرك يا ابنتي ليس من الحسد الحرام، فديننا يفرِّق تفريقًا دقيقًا بين أمرين:

 

1- الحسد الحرام: وهو تمَنِّي زوال النعمة عن الغير، أو بغض رؤية الخير على الآخرين، وهذا ما نفيْتِه عن نفسك بصدق، ودعاؤك لهنَّ بالبركة دليلٌ ناصع على سلامة صدرك من هذا المرض.

 

2- الغبطة المحمودة: وهي تمَنِّي الحصول على مثل النعمة التي عند الآخرين دون تمنِّي زوالها عنهم؛ بل إنّ الشريعة الإسلامية حثت على هذا النوع من الغيرة إذا كان في أمور الدين والآخرة؛ إذ يقول رسول الله ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» [متفق عليه]. والمراد بالحسد في الحديث هو الغبطة.

 

أما ضيق الصدر والحزن الذي يصيبك، فهو ليس ناتجًا عن كره الخير لهن، بل ناتج عن الرثاء للنفس، والشعور بالتقصير، أي أنك تحزنين على نفسك لا منهن. قال الله -تعالى- مشيدًا بالتنافس في الطاعات: ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].

 

الشعور بالنقص هل ينافي القناعة والرضا؟

 

هناك خلط شائع بين القناعة في أمور الدنيا، والعزم في أمور الآخرة؛ ففي أمور الدنيا القناعة واجبة ومحمودة، بأن يرضى الإنسان برزقه وشكله وماله. أما في أمور الدين ودرجات القرب من الله فالقناعة المذمومة هي السكون إلى التقصير والتعلل بالقضاء والقدر! فالله -سبحانه وتعالى- لم يطلب منا القناعة بالدُّون في أفعال الخير، بل أمرنا بالمبالغة فيها والمسارعة والمسابقة. قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21]، وقال سبحانه: ﴿وَلِكلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].

 

لذا، فحزنك على تقصيرك في حفظ كتاب الله ليس ضعف قناعة بقدَرك؛ بل هو ألمٌ طبيعي يصيب المؤمن عند استشعاره التفريط، وهو دلالة على أن إيمانك حي، فالرضا بالتقصير والدناءة في الهمة للأعمال الصالحة هو العيب، لا الحزن عليها.

 

الوهم المزيَّف بالوصول المجاني

 

تشخيصك لنفسك بأنك تريدين النتيجة «ببلاش» هو وضع ليدك على الداء الحقيقي. إن وسائل التواصل الاجتماعي تُبرز النتائج النهائية الجميلة (حفظ القرآن، وإتقان العلم، والكتابة المؤثرة) لكنها تُخفي كواليس المكابدة: السهر، والتكرار، والتخلي عن الملهيات، ومغالبة النفس، وليس بمجرد التمني!

 

فمن أراد أن يجني الثمار دون أن يغرس البذر ويتحمل حرَّ الشمس وسقيا الماء، فهو يعيش في عالم «الأماني» لا عالم «الرجاء».

 

وسائل عملية لتحويل الغيرة إلى دافع للعمل

 

لتتخلصي من هذا الخمول، وتنطلقي في سيرك إلى الله بصدق، إليك هذه الوسائل العملية:

 

1- القضاء على وهم منصات التواصل: إن المقارنة مع ما يظهره الناس على وسائل التواصل تصنع وهمًا كاذبًا يؤدي إلى الإحباط. فأنت ترين المعروض الظاهر أمامك فقط، وتجهلين المخبوء خلف الكواليس. فقللي من متابعة الحسابات التي تثير فيك العجز، واستبدلي بها حسابات تعينك على العمل الإيجابي.

 

2- قاعدة القليل الدائم: سبب الخمول والانتكاس هو أننا عندما نتحمس لحفظ القرآن أو لقيام الليل –مثلًا- فإننا نريد حفظ صفحتين يوميًّا، والقيام نصف الليل، فنصطدم بواقع قدرتنا وضعفنا في البداية، فنترك كل شيء! والنبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه]. فابدئي بحفظ ثلاث آيات إلى خمس يوميًّا فقط، أو بما يعادل نصف صفحة. والتزمي بهذا القدر البسيط مدة شهرين دون انقطاع، لتصنعي عادة الحفظ في يومك، ثم ابدئي بالزيادة التدريجية إن أردت حتى تصلي إلى أقصى طاقتك في الحفظ والمراجعة، بما لا يؤثر على بقية واجباتك. وهكذا في كل الأعمال الصالحة التي تودين القيام بها.

 

3- السلامة من الرياء وحب الظهور: حين ترغبين في الحفظ أو التأثير، اجعلي عملك في الخفاء بينك وبين الله في البداية، ولا تتحدثي أمام أحد ولا في منصة أنك بدأت الحفظ، تجنبًا للرياء، وتجنبًا أيضًا للعين والحسد. وقد كان السلف –رحمهم الله- يستحبون الخبيئة الصالحة. وروي عن أيوب السختياني -رحمه الله- أنه قال: «ما صدق عبد قط فأحب الشهرة».

 

والزمي دائمًا الدعاء بدعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أُشْرِك بِك وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُك لِمَا لاَ أَعْلَمُ» [رواه أحمد].

 

4- الاستعاذة من العجز والكسل: كان من أكثر دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك مِنَ العَجْزِ وَالكسَلِ» [رواه البخاري]. والكسل هو الإرادة الضعيفة مع القدرة البدنية، والعجز هو عدم القدرة. وأنت يا ابنتي لديك القدرة، بشبابك وصحتك وعقلك الواعي، فلا تحتاجين الآن إلا للحزم مع نفسك وتقوية إرادتك.

 

5- البحث عن صحبة صالحة: الانفراد يورث الكسل، فاشتركي في حلقات تحفيظ إلكترونية أو حضورية ذات منهجية ومتابعة وتسميع منتظم. فالالتزام مع معلمة أو مع مجموعة يقطع طريق الكسل والإرجاء. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

وختامًا يا ابنتي؛ اعلمي أن سنك الآن هي سن الوعي واكتمال الإدراك، وما يزال العمر أمامك متسعًا بإذن الله، وكثير من العلماء والحفاظ والمؤثرين بدؤوا طلب العلم والحفظ بعد الثلاثين والأربعين وصاروا أعلامًا. فالمهم ليس متى تصلين، بل أن تبدئي وتضعي قدميك على الطريق الصحيح وتستمري عليه.

 

أسأل الله أن يصب عليك من فضله ورحمته، وأن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك، ونور صدرك، وجلاء حزنك، وذهاب همك، وأن يرزقك همة عالية لا تقف دون الجنة، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

الغيرة بين طالبات المعهد الشرعي.. كيف السبيل إلى حفظ القلوب؟

كيف أتعامل مع الغيرة النسائية في العمل دعويًّا؟

غيرة الإمام من نجاح غيره.. كيف أسمو بنفسي وأُخلص عملي لله؟

كيف أتعامل مع غيرة أقراني في مجتمع الدعوة؟

التعليقات

الرابط المختصر :