ثقافة الاعتذار لماذا تراجعت مجتمعيًّا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 54
  • رقم الاستشارة : 6240
29/10/2026

ثقافة الاعتذار لماذا تراجعت مجتمعيًّا؟ وما هي أهميتها في التماسك الاجتماعي وهل يمكن أن تكون تلك الثقافة في بعض الأحيان هروبا من العمل وفرارا من اللوم؟

الإجابة 29/10/2026

أخي الكريم، ثقافة الاعتذار تتراجع مجتمعيًّا، في ظل الفردانية والمادية التي باتت تصبغ الكثير من المشاعر والعلاقات، فالبعض لم يعد يعتذر عن أخطائه إذا لم يؤد الاعتذار إلى تحقيق مصالحه، وآخرون شوهوا الاعتذار، وأصبحوا يلجؤون إليه للهروب من اللوم وللتغطية على تقصيرهم وهروبًا من تحمل المسؤولية عن أخطائهم، وما بين التغييب وسوء التوظيف للاعتذار تراجع تلك الثقافة النبيلة في حياتنا.

 

أسباب أفول الاعتذار

 

أخي الكريم، للاعتذار عدة جوانب إيجابية، فهو يكشف عن وجود معايير أخلاقية وقيمية في ذات الإنسان يقيس عليها أفعاله وسلوكه، وإذا وجد خللاً أو خطأ بادر لتصحيحه وتحمل نتائجه، كذلك فإن حقيقة الاعتذار هي الابتعاد عن الكبر، ورؤية الناس ذوات الناس وحرماتهم باحترام، وبالتالي فغياب ثقافة الاعتذار يحمل في طياته نوعًا من الاحتقار والازدراء للآخرين، والنظر إليهم كأشياء يمكن التجاوز في حقها دون الشعور بوخز الضمير.

 

في ظل التداخل الكبير في الحياة التي يعيشها البشر في أماكن السكن والعمل والدراسة، أصبح وجود الأخطاء السلوكية أمرًا متكررًا، وهو ما يوجب ضرورة الاعتذار لترميم العلاقات الإنسانية، ورغم تلك الضرورة فإن تلك الثقافة تعاني من أفول، وهذا الأفول له أسبابه المتعلقة ببنية المجتمع الحديث والثقافات والرؤى التي تهيمن على تفكير وسلوك الإنسان المعاصر، من هذه الأسباب:

 

* طغيان الفردانية: الفردانية الطاغية حاضرة في غالبية أزمات الإنسان المعاصر، ويمكن القول إن "الأنـا" أصبحت "مقدسة لدى هذا الإنسان، وهذا التقديس يدفع حتمًا إلى ازدراء الآخرين، إذ تنظر الذات إلى الاعتذار وكأنه انتقاص من مكانتها وقيمتها، لأشياء وأشخاص لا يستحق النظر إليهم، فعندما تتضخم الذات، يحدث تهميش للآخر، ويظن الشخص أن الاعتذار ليس تصحيحًا لخطأ أو سوء قصد، وإنما تتوهم الذات أن الاعتذار ما هو إلا هزيمة لها.

 

* سيادة العقلية النفعية البراجماتية: هذه العقلية تقيس كل شيء من منظور وبمعايير مادية؛ لذا فالاعتذار لا يحضر إلا إذا كانت هناك مصلحة أو مكسب، وإذا غابت المصلحة انتفت الحاجة للاعتذار، وفي ظل هذه الروح يتحول الاعتذار مع البرجماتية إلى أداة تلاعب ووسيلة لامتصاص الغضب وتجاوز الأزمة بأقل خسائر، وليس تعبيرًا عن ندم أو مسعى لترميم علاقات ومشاعر إنسانية.

 

في كتابه "الاعتذار: سياقاته العابرة للثقافات" يؤكد مؤلفه البروفيسور في الطب النفسي "آرون لازار" أن الاعتذار، رغم أنه يعبر عن عمق التفاعلات التي قد تحدث بين الناس؛ لأنه يملك القدرة على شفاء الإهانات، وتحرير النفس من الشعور بالذنب، وإزالة الرغبة في الانتقام، وإصلاح العلاقات المتصدعة، إلا أنه تحول في عالم السياسة والأعمال من فعل ندم صادق إلى "استراتيجية علاقات عامة" مدروسة لحفظ المصالح وتقليل الخسائر القانونية والمادية.

 

* طغيان النسبية الأخلاقية: فعندما تتحول الأخلاق من "معايير موضوعية ثابتة" إلى "وجهات نظر شخصية"، تغيب الثوابت الأخلاقية، وتهمين الذات على الموضوع، وتصبح هي التي تحدد الخير والشر والصالح وغير الصالح، أو بمعنى أكثر وضوحًا "تصبح الذات هي معيار الحقيقة" ويتحول الخطأ إلى وجهة نظر، وفي تلك الحالة يستطيع الشخص أن يتعايش مع الخطأ دون الحاجة للاعتذار، وربما هذا ما أكده "تشارلز تايلور" في كتابه "قلق الحـــداثــة"، حيث رأى أن الذات تحولت إلى "مركزية ذاتية نرجسية" دفعت الفرد لرفض أي معايير أخلاقية تتجاوز رغباته الشخصية.

 

* غياب الوجه الإنساني في ظل الرقمية: تحول جزء كبير من العلاقات الإنسانية لتكون عبر الوسيط الرقمي، أضعف ذلك الحياء، ومن ثم تراجعت ثقافة الاعتذار، يذكر الفيلسوف الفرنسي الراحل "إيمانويل ليفيناس" (المتوفى:1995) أن "مواجهة وجه الآخر وجهًا لوجه هي مصدر الإلزام الأخلاقي والتعاطف"؛ ولذا فإن تغييب الوجه مدعاة لتراجع ثقافة الاعتذار.

 

موضوعات ذات صلة:

الفردانية.. وتفكيك المجتمعات

هل أصبح الدفاع عن الشذوذ معيارًا للديمقراطية؟

كيف يبرر الإنسان سخريته من الآخرين؟

كيف نظر الفكر الفلسفي والأخلاقي للقسوة؟

التعليقات

الرابط المختصر :