الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقهية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 6171
25/10/2026
بدلاً من أسلحة الصيد التقليدية وكلاب الصيد المُعلمة، استخدم شاب طائرة مسيرة مجهزة بشباك وتقنيات تتبع متطورة لاصطياد أسراب من الطيور المهاجرة النادرة لغرض التباهي والتصوير فقط دون الحاجة لأكلها، ثم يتركها لتموت. ما حكم الصيد بهذه التقنية الآلية البحتة، وهل يدخل هذا العبث في باب إفساد البيئة المنهي عنه؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، الأصل في الصيد
الإباحة إذا كان لغرض معتبر شرعاً كالتغذي والانتفاع، قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمُ
صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ}، وقال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ
فَاصْطَادُوا}. إلا أن هذه الإباحة مقيدة بضوابط أخلاقية وشرعية تمنع العبث بأرواح
الكائنات، وتحرم تعذيبها أو إتلافها لغير حاجة. وما استُحدث من تقنيات كـ
"الطائرات المسيرة" يأخذ حكم الغاية التي يُستخدم لأجلها، فإن استُخدمت
للإفساد والعبث، كان الفعل محرماً بلا ريب.
اختصارا:
صيد الطيور
والحيوانات باستخدام الطائرات المسيرة وتتبعها بالشباك لغرض التباهي والتصوير فقط،
ثم تركها لتموت جوعاً أو اختناقاً، هو فعلٌ محرمٌ شرعاً، ويُعد هذا الصنيع جمعاً
بين عدة محرمات منها قتل الحيوان عبثاً بلا منفعة، وتعذيب ذوات الأرواح، والصيد
الجائر الذي يُخل بالتوازن البيئي، وإفساد في الأرض، واستخدام وسائل تقنية حديثة
في غير ما يرضي الله. وما يموت في شباك هذه الطائرات يُعد "ميتة" نجسة
لا يجوز أكلها.
وتفصيلا:
أولاً: حكم
الصيد الجائر وقتل الحيوان بلا هدف عبثاً:
حرمت الشريعة
الإسلامية الاعتداء على ذوات الأرواح ففي كل ذات كبد رطبة أجر، وقتل الحيوانات
لمجرد اللهو والتباهي ظلم صارخ.
الأدلة من
السنة النبوية:
روى النسائي
وابن حبان عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا، عَجَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا،
وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ".
ومن الأحاديث
المشهورة الصحيحة "دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلم تطعمها"، "ودخل
رجل الجنة في كلب سقاه"
وفي صحيح مسلم
عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا
تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" أي هدفاً يُرمى إليه للهو.
وقال الإمام
ابن قدامة مفصلاً حكم الصيد بحسب نيته: "فإن كان لغير حاجة بل للهو واللعب
فمكروه... وإن اصطاد ما لا يؤكل لحمه لغير الانتفاع به فحرام؛ لأنه إفساد لحيوان
في غير منفعة، وكذلك إن اصطاد ما يؤكل لحمه فقتله وترك أكله".
وقال الإمام النووي
مبيناً علة تحريم اتخاذ الحيوان غرضاً للهو: "والنهي عن اتخاذ الحيوان غرضاً
نهي تحريم...؛ لأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته
إن كان مذكى، ولمنفعته إن لم يكن مذكى".
ثانياً: حكم
الصيد باستخدام الطائرات المسيرة المجهزة بشباك:
الصيد بهذه
التقنية الآلية يختلف جذرياً عن الصيد الشرعي بالآلة أو الجارحة، وذلك من وجوه:
شروط الآلة
غائبة: اشترط الفقهاء في آلة الصيد الجامدة أن تكون محددة تخرق الجسد وتسيل
الدم كالسهم والرصاص، لحديث: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل".
أما الشباك الآلية التي تلقيها الطائرة، فهي أداة حبس واصطياد حي لا أداة تذكية ذبح
شرعي.
مآل الصيد إلى الميتة
والتلف: ترك الطيور عالقة في شباك الطائرات حتى تموت يجعلها في حكم
"المُنخنقة" أو "الموقوذة" التي ماتت بغير تذكية شرعية، وهي
محرمة بنص القرآن: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ...
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ}.
الإفساد البيئي
عبر الصيد الجائر أو الصيد العبثي: استخدام أسراب المسيرات لصيد طيور
نادرة هو استنزاف لمقدرات البيئة وإخلال بتوازنها الذي خلقه الله، ويدخل في عموم
قوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
الوسائل لها
أحكام المقاصد: تقنية الطائرة المسيرة في ذاتها مباحة، لكن لما استُخدمت لغرض محرم وهو
العبث والقتل الجائر أخذت حكم الغاية فأصبح استخدامها بهذا الشكل محرما.
لا ضرر ولا
ضرار: هذا الفعل يلحق ضرراً فادحاً بالبيئة، ويهدد أنواعاً بالانقراض،
ويؤذي كائنات حية بلا مسوغ، والشريعة جاءت بنفي الضرر بكافة صوره.
درء المفاسد
مقدم على جلب المصالح: ومفسدة استنزاف الحياة وتعذيب الحيوان مقدمة في
المنع والدفع على المصلحة الموهومة العائدة للصائد كالشهرة والتباهي وحصد
الإعجابات في وسائل التواصل.
تصرف الإمام
على الرعية منوط بالمصلحة: وبناءً على هذه القاعدة، فإن ما تسنه الدول من
أنظمة لمنع الصيد الجائر وحظر استخدام التقنيات الحديثة فيه لغرض حماية الحياة البرية،
هو ملزم شرعاً للمواطنين، ومخالفته افتئات على ولي الأمر في أمرٍ فيه مصلحة عامة.
والله تعالى أعلى وأعلم