الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 6199
29/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا شيوخنا الأفاضل، حابب أستشيركم في موضوع شفته قبل كم يوم في مقطع انتشر بشكل كبير على التيك توك ولحس مخي الصراحة وأبي أعرف الحكم الصحيح فيه. المقطع كان لرجال يصلون جماعة في المسجد، وفجأة دخل بينهم ثعبان وقرص واحد من المصلين، فالرجال من الصدمة والألم صرخ بأعلى صوته "أفعى.. أفعى!". المصلين اللي حوله كلهم خافوا وقطعوا صلاتهم عشان يشوفون وش السالفة ويبعدون عن الخطر، والثعبان يلف ويمشي بين المصلين.
المشكلة مو في المقطع، المشكلة لما دخلت على التعليقات لقيت ناس كثير شادين حيلهم وكاتبين: "هذا حرام ولا يجوز تقطعون صلاتكم"، وبعضهم يقول "كان لازم تكملون صلاتكم والي سويتوه غلط وغير جائز".
أنا الصراحة استغربت ودخلني الشك، الحين في مثل هالمواقف لما يكون فيه خطر حقيقي على الحياة وثعبان يقرص ويلف بين الناس، وش الحكم الشرعي؟ هل فعلهم بقطع الصلاة جائز لحماية أنفسهم ولا حرام ومكروه مثل ما يقولون بالتعليقات؟ ووش المفروض على المصلين يسوونه في هذه الحالة لو تكررت لا قدر الله؟
أفيدونا جزاكم الله خير الجزاء، لأن الكلام كثر وحابب آخذ العلم الأكيد منكم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الشريعة
الإسلامية لهي شريعة غراء مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن أعظم مقاصدها
حفظ النفس المعصومة وصيانتها من التلف والهلاك. وقد وازنت الشريعة بحكمة بالغة بين
حق الله تعالى في أداء العبادات، وحق الإنسان في حماية حياته وحياة غيره. وما أثير
في التعليقات التي قرأتها إنما يصدر عن جهل بأحكام الفقه ومقاصد الشريعة، حيث
يُنَزِّلُ العوامُّ النصوصَ في غير موضعها، ويغفلون عن رخص الشرع وحالات الضرورة،
بل وواجبات الشرع ومقاصده العليا.
اختصارًا:
ما
فعله المصلون من قطع الصلاة هربًا من الثعبان وتفقدًا للملدوغ هو فعل الواجب شرعًا
حماية لأنفسهم وإنقاذًا للمصاب، ومن أنكر عليهم في التعليقات وزعم تحريم فعلهم فقد
أخطأ وتقوَّل على الشريعة بغير علم؛ فدفع الصائل كالثعبان وإنقاذ المعصوم من
الهلاك يُبيح قطع الصلاة باتفاق المذاهب الفقهية، بل ويُوجبه إن كان في غالب الظن
أنه يبرأ، وفي مثل هذه الحالات يُشرع للمصلي إما قتل الثعبان في الصلاة، أو الهرب
وقطع الصلاة لحماية النفس وإسعاف المصاب، ثم تُعاد الصلاة بعد زوال الخطر.
وتفصيلاً:
أولا:
حكم قطع الصلاة لإنقاذ الملدوغ والهرب من الخطر
الأصل
حرمة قطع الصلاة المفروضة لغير عذر، لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا
أَعْمَالَكُمْ}. ولكن هذا التحريم يُستثنى منه حالات الضرورة، كوجود خطر داهم يهدد
الحياة، مثل هجوم ثعبان أو حيوان مفترس، أو رؤية غريق أو حريق، أو في حالات
استهداف المساجد في العدوان الهمجي، في هذه الحالة ينقلب الحكم من التحريم إلى
الوجوب؛ فيجب قطع الصلاة لإنقاذ النفس الإنسانية.
وقد
أمر النبي ﷺ بقتل ذوات السموم في الصلاة لشدة خطرها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي ﷺ قال: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ
وَالْعَقْرَبَ» رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإذا جاز الانشغال بقتلها والقيام
بحركات أجنبية عن الصلاة، فمن باب أولى جواز الهرب منها إذا لم يُمكن قتلها وكان
خطرها محققًا.
قال
الإمام النووي: "فَأَمَّا إذَا قَصَدَهُ؛ (الثعبان) فَلَهُ قَتْلُهُ
وَدَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَدَّى إلَى فِعْلٍ كَثِيرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْ
نَفْسِهِ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ".
ثانيًا:
حكم صراخ الملدوغ في الصلاة:
الرجل
الذي لُدغ وصرخ من الألم مناديًا "أفعى أفعى" معذور شرعًا لغلبة الوجع،
وصلاته وإن بطلت شرعًا لخروج الكلام والأصوات، إلا أنه لا إثم عليه، وصراخه كان
سببًا في تنبيه باقي المصلين لحماية أنفسهم، وهو تصرف فطري ومحمود في مثل هذا
الموقف لدرء الضرر عن الجميع.
ثالثًا:
توجيه لما يجب فعله في مثل هذه المواقف:
إذا
تكرر هذا الموقف لا قدر الله، فإن التصرف الشرعي الصحيح هو:
إذا
كان الثعبان قريبًا ويمكن قتله بضربة أو ضربتين بعمل يسير، فيُقتل ولا تبطل
الصلاة، وتُكمل الجماعة صلاتها.
إذا
كان الثعبان يلف بين المصلين ويشكل خطرًا، وتحتاج مقاومته لعمل كثير، أو استدعى
الأمر الهرب لحماية النفس، أو إسعاف المصاب ونقله للمستشفى، وجب فورًا قطع الصلاة
وحفظ الأرواح، ثم تُعاد الصلاة بعد حصول الأمن وزوال الخطر.
الرد
على أصحاب التعليقات: فالدين يُعظم حرمة الدم وحياة الإنسان،
وقد نص العلماء على أن إنقاذ الآدمي المعصوم مقدم على إتمام الصلاة؛ لأن الصلاة
يمكن قضاؤها وإعادتها، أما الروح إذا أزهقت فلا يمكن تداركها.
القواعد
الفقهية الحاكمة في قطع الصلاة هروبًا من الخطر أو لإنقاذ مصاب:
الضَّرُورَاتُ
تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ: فالمحظور وهو قطع الفريضة أبيح للضرورة
وهي حفظ النفس من الموت أو الأذى الشديد.
الضَّرَرُ
يُزَالُ: وبناءً عليها شُرع قتل الحية والعقرب في الصلاة، وشرع الهرب منهما إذا عجز المصلي
عن دفعهما لإزالة الضرر عن نفسه وعن المصلين.
دَرْءُ
المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ: فمفسدة هلاك
الإنسان أو تعرضه لسم الثعبان أعظم بكثير من مصلحة إتمام الصلاة في ذلك الوقت
المحدد، فدُرئت المفسدة بقطع الصلاة.
المَشَقَّةُ
تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ: ومن التيسير أن الشرع لم يكلف المصلي
بالوقوف مستسلمًا أمام حيوان قاتل بحجة الخشوع، بل خفف عنه وأمره بالدفاع عن نفسه
وتدارك الأمر. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
عدم المواظبة على الصلاة لأجل الأعذار