الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 4920
24/05/2026
أرجو من فضيلتكم تفصيل سنن وأحكام عيد الأضحى المبارك، حتى يكون العيد موافقا للسنة، وهل يجوز زيارة القبور في هذا اليوم كما هي عادة الكثير من الناس؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بكم أخي العزيز، وتقبل الله منكم صالح الأعمال، وهنيئا لنا ولكم أن
بلغنا الله الكريم هذه الأيام المباركة عظيمة الأجر. وإن الحرص على موافقة السنة
النبوية المطهرة في العيد لهو دليل على تعظيم شعائر الله تعالى، وإنها لمن تقوى
القلوب.
وإليك
تفصيل الأحكام والسنن المأثورة في عيد الأضحى المبارك، وبيان حكم زيارة القبور في
هذا اليوم بناءً على ما تقرر عند علماء المذاهب الأربعة والفقهاء المعاصرين.
اختصارًا:
• سنن وأحكام العيد: يُسن في عيد الأضحى الاغتسال، والتطيب، ولبس أحسن
الثياب، والإمساك عن الطعام حتى الفراغ من الصلاة ليأكل من أضحيته، والذهاب للمصلى
ماشيًا من طريق والعودة من طريق آخر، والاشتغال بالتكبير. والأضحية سنة مؤكدة وعند
الحنفية واجبة يبدأ وقتها بعد صلاة العيد.
• حكم زيارة القبور يوم العيد: زيارة القبور في أصلها سنة للاتعاظ والدعاء،
ولكن تخصيص يوم العيد بزيارتها وجعل ذلك عادةً أو طقسًا من طقوس العيد هو أمر غير
مشروع ولم ترد به السنة، وهو مكروه عند المحققين من الفقهاء والعلماء المعاصرين
لما فيه من تجديد الأحزان في يوم شُرع للفرح والسرور، ومخالفته لهدي النبي ﷺ
وصحبه.
أولاً:
سنن وأحكام يوم عيد الأضحى والأعمال المسنونة والمأثورة فيه
دلّت
النصوص الشرعية وآثار السلف على جملة من الآداب والسنن التي يستحب للمسلم فعلها
يوم عيد الأضحى المبارك ليصيب السنة، من أبرزها:
• الاغتسال والتطيب ولبس النظيف من الثياب: يُسن الغسل ليوم العيد تجملاً
للاجتماع، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة. ويستحب للرجال التطيب ولبس أحسن ما يجدون
من الثياب، أما النساء فيخرجن تفلات غير متطيبات ولا متبرجات.
• تأخير الطعام في عيد الأضحى: من السنة المؤكدة في عيد الأضحى ألا يأكل
المسلم شيئًا قبل الخروج إلى صلاة العيد، حتى يرجع فيأكل من أضحيته إن كان له
أضحية، خلافًا لعيد الفطر الذي يُسن فيه أكل تمرات قبل الخروج. وعن هذا يقول
الإمام ابن قدامة في المغني: "لأن عيد الفطر يوم حُرِّم فيه الصيام فاستُحب
تعجيل الفطر... وعيد الأضحى يوم شُرع فيه الذبح فاستُحب أن يكون أول ما يأكل من
أضحيته".
• الخروج إلى المصلى مشيًا ومخالفة الطريق: يُسن أداء صلاة العيد في المصلى
الخلاء خارج المسجد إلا لعذر، ويُستحب الذهاب ماشيًا بسكينة ووقار، وأن يخالف
المصلي طريقه؛ فيذهب من طريق ويعود من طريق آخر. والنقل في هذا ما رواه البخاري عن
جابر رضي الله عنه قال: "كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق"،
وعلل الفقهاء ذلك لتشهد له الطريقان، أو لإظهار شعائر الإسلام في سائر الفجاج، أو
للسلام على أكبر عدد من الناس.
• الاشتغال بالتكبير: يستمر التكبير المقيد عقب الصلوات المفروضة في عيد
الأضحى من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق اليوم الثالث عشر من ذي الحجة،
كما يُشرع التكبير المطلق في كل وقت.
• ذبح الأضحية وتأخيرها عن الصلاة: الأضحية من أعظم القربات، وهي سنة مؤكدة
عند جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، وواجبة عند الحنفية على
القادر الموسر. ويشترط لصحّتها أن تُذبح بعد الفراغ من صلاة العيد، فمن ذبح قبل
الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله وليس من النسك في شيء.
• التنعم وإظهار الفرح والتهنئة: يُسن إظهار الفرح والتوسعة على الأهل
بالنفقة والطعام غير المحرم، وتبادل التهنئة بـألفاظ مأثورة مثل: "تقبل الله
منا ومنكم صالح الأعمال".
ثانيًا:
حكم زيارة القبور في يوم العيد
أصل
زيارة القبور مستحب ومندوب إليه شرعًا لقول النبي ﷺ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ
عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ
الْآخِرَةَ" رواه أحمد. ولكن تخصيص هذه الزيارة بيوم العيد تحديدًا ينقسم
الحكم فيه عند الفقهاء والمحققين إلى تفصيل دقيق:
• التخصيص والاعتقاد بسنتيه: القول بالكراهة أو البدعية فقد ذهب محققو
الفقهاء من المذاهب الأربعة، وجماهير الفقهاء المعاصرين كلجنة الفتوى الفقهية،
والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين إلى أن تخصيص يوم العيد بزيارة القبور
واعتبارها من سنن العيد أو عاداته الراتبة هو أمر مكروه، وقد يصل إلى البدعة
الإضافية. وعلة ذلك أن النبي ﷺ لم يكن يخصص يوم العيد بزيارة القبور، ولم يثبت هذا
عن أحد من الصحابة الكرام.
• مصادمة مقصود الشارع من العيد: العيد في الإسلام شُرع ليكون يوم فرح،
وسرور، وبهجة، وتواصل بين الأحياء، وتبادل للتهاني. وزيارة القبور بطبيعتها مبنية
على الاعتبار، وتذكر الموت، مما يثير الأحزان الكامنة، ويقلب الفرح شجنًا وبكاءً،
وفي هذا مصادمة واضحة للمقصود الشرعي من إظهار البهجة يوم العيد.
• المفاسد المصاحبة للزيارة المعتادة: شدد الفقهاء النكير على ما يحدث في بعض
البلدان والمجتمعات من اتخاذ المقابر مكانًا للاجتماع يوم العيد، وتوزيع الحلوى
والأطعمة هناك، أو وقوع النياحة وتجديد البكاء على الموتى، واختلاط الرجال بالنساء
غير المنضبط؛ فهذه الأفعال محرمة وتزيد من كراهة الفعل.
• حالة الجواز العارض: رخص بعض العلماء في الزيارة إذا كانت عارضة دون تخصيص؛
كأن يكون الشخص مسافرًا ولم يحضر إلا يوم العيد فزار قبر قريبه للدعاء له دون
اعتقاد مزية لليوم، أو إذا مرّ بالمقبرة في طريقه، فالنهي متوجه للتخصيص والالتزام
وجعلها كأنها من مناسك يوم العيد.
والأولى
بالمسلم والموافق للسنة النبوية أن يفرغ يوم العيد لصلة الأرحام، وإدخال السرور
على الأهل والأولاد، وتوزيع الأضاحي، وإظهار الفرحة. أما زيارة القبور والدعاء
للموتى فيمكن جعلها في سائر أيام العام دون ربطها بأيام الفرح والسرور حتى لا
يُبتدع في الدين ما ليس منه. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: