عندي ذهب قديم أريد استبداله مع دفع الفارق.. فهل هو ربا؟

Consultation Image

الإستشارة 22/07/2026

توفيت والدتي وتركت لنا مصوغات ذهبية قديمة، فاتفقت مع الصائغ أن يستبدلها لي بقطع ذهبية جديدة ومصنعة حديثا لها نفس الوزن تماماً، على أن أدفع له فارق السعر (أجرة المصنعية) نقداً؛ فهل طريقتي هذه في مبادلة الذهب القديم بالجديد مع دفع الفارق جائزة شرعاً، أم تقع في ربا الفضل؟

الإجابة 22/07/2026

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، ورحم الله والدتك وغفر لها وأسكنها فسيح جناته، وإنّ حرصك على تحري الحلال في المعاملات المالية، وبخاصة في مسائل الذهب، لهو من أسباب الوقاية من الشبهات.

 

والشريعة الإسلامية أولت عقود المعاوضات المالية اهتمامًا بالغًا، وحصّنت بيع الأموال الربوية كالذهب والفضة والأقوات بضوابط مشددة منعًا للوقوع في الربا. والذهب من الأجناس الربوية التي نص النبي ﷺ على أحكام تبادلها بوضوح؛ حيث اشترط في تبادل الذهب بالذهب شرطين أساسيين: التماثل في الوزن سواءً بسواء، والتقابض المباشر في مجلس العقد يدًا بید.

 

وعندما يدخل "فارق الصياغة" أو ما يُعرف بـ أجرة المصنعية في مبادلة ذهب بذهب، يثور الخلاف الفقهي حول طبيعة هذا الفارق وهل يُعدّ زيادة ربوية أم مقابلاً لعمل الصائغ.

 

اختصارًا: الرأي المعمول به عند جمهور العلماء والأئمة الأربعة أنه لا تجوز مبادلة الذهب القديم بذهب جديد مع دفع فارق المصنعية في عقد واحد؛ لأن هذا الفارق يُخرج العملية عن التماثل المشترط شرعًا، وتُعد هذه الصورة من ربا الفضل المحرّم.

 

أما الطريقة الشرعية البديلة الآمنة فهي أن تقوم ببيع الذهب القديم للصائغ في عقد مستقل وتستلم منه الثمن حقيقةً أو حكمًا، ثم تشتري منه الذهب الجديد في عقد جديد ومستقل بالنقود التي قبضتها.

 

والرأي الثاني لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنه يجوز استبدال الذهب المصوغ بالذهب المصوغ مع دفع فارق الصياغة، اعتبارًا بأن الذهب المصنوع خرج بالصنعة عن كونه نقدًا وصار سلعة من السلع، لكن الأخذ برأي الجمهور هو الأحوط والأبرأ للذمة خروجًا من شبهة الربا، خاصة أنه لا كلفة فيه ولا مشقة على أرض الواقع والخروج من الخلاف أولى.

 

وتفصيلاً:

 

1- رأي جمهور فقهاء المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة

 

يرى الجمهور أن الذهب بجميع أشكاله سواء كان حجرًا، أم تبرًا، أم مسكوكًا، أم مصوغًا مستعملاً أو جديدًا جنس ربوي واحد، ولا أثر للصياغة أو الجودة في إسقاط شرط التماثل.

 

ودليلهم من السنة النبوية: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بالْفِضَّةِ... مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أرْبَى، الآخِذُ والْمُعْطِي فيه سَوَاءٌ» (رواه مسلم: 1584).

 

وحديث بلال رضي الله عنه في بيع التمر وهو أصل في هذا الباب جاء بلال رضي الله عنه إلى النبي ﷺ بتمر جنيب جيد، فقال له النبي ﷺ: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ: «أَوَّهْ أَيْنُ الرِّبَا! أَيْنُ الرِّبَا! لاَ تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ» (رواه البخاري: 2312، ومسلم: 1594).

 

وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه "المغني": «فأما بيع الجيد بالرديء من جنسه متفاضلاً فلا يجوز إجماعًا... والمصوغ وغير المصوغ، والجديد والعتيق سواء في تحريم التفاضل فيه» (المغني: 4/32).

 

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع شرح المهذب": «أجمع المسلمون على أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة متفاضلاً، سواء كان عينًا أو مصوغًا أو غيرهما» (المجموع: 9/383).

 

2. رأي المحققين ابن تيمية وابن القيم وبعض المعاصرين

 

يرى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الذهب إذا صِيغ حليةً مباحة خرج عن كونه ثمنًا للأشياء وصار كأي سلعة تُباع وتُشترى، فتجوز فيه الصياغة ويباع بالجنس مع الفارق.

 

قال الإمام ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين": «الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان؛ ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع... فإذا بيع المصوغ بجنسه، وجُعلت الزيادة في الموزون أو الثمن في مقابلة الصنعة، جاز ذلك» (إعلام الموقعين: 2/108).

 

قرار مجمع الفقه

 

أخذت المجامع الفقهية المعاصرة برأي الجمهور لشدة خطورة شبهة الربا ولعموم الأحاديث النبوية: قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي: «تأكيد منع مبادلة الذهب القديم بالجديد مع دفع الفارق، والتأكيد على الطريق الشرعي وهو بيع الذهب القديم بالنقد، ثم شراء الجديد بالنقد في عقدين منفصلين» (قرار رقم 84 / 1 / 9).

 

قرار الهيئة الشرعية لجمعية كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية:

 

نصّت على تحريم دفع فارق التصنيع عند استبدال الذهب بالذهب، ووجوب الفصل بين البيع والشراء.

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

قاعدة: «الخُرُوجُ مِنَ الخِلاَفِ مُسْتَحَبٌّ»

 

لما كان جمهور الأئمة الأربعة يحرّمون هذه الصورة ويعدونها ربًا صريحًا، فإن الأخذ بالطريقة البديلة بيع القديم ثم شراء الجديد يخرجك من الخلاف الفقهي ويجعل معاملتك حلالاً بغير شبهة عند جميع الفقهاء.

 

قاعدة: «سَدُّ الذَّرَائِعِ»

 

الشريعة حظرت الطرق التي قد تفتح بابًا لربا الفضل، واستبدال الذهب بالذهب مع زيادة مالية ذريعة مبشرة للوقوع في الربا، فوجب سدّها بالتفكيك بين العقدين.

 

قاعدة: «إِذَا اجْتَمَعَ الحَاظِرُ وَالمُبِيحُ غُلِّبَ الحَاظِرُ»

 

عند تعارض أدلة المنع أحاديث تحريم ربا الفضل مع ادعاء المصلحة في التبادل مباشرة، يُقدَّم جانب الحظر والمنع احتياطًا للدين.

 

قاعدة: «الوسائلُ الموصلةُ إلى الحَرَامِ مُحَرَّمَةٌ»

 

جعل دفع "المصنعية" شرطًا ضمن عقد التبادل هو وسيلة لإهدار شرط التماثل في الذهب، وما أدى إلى العقد الفاسد فهو ممنوع. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

مهنة الصياغة (بيع وشراء الذهب).. حكمها وضوابطها

بيع الذهب والفضة بثمن مؤجل مع الزيادة في الثمن

حكم بيع الذهب بالتقسيط (بثمن مؤجل)

شراء الذهب نسيئةً وأحكام الصرف.. فتوى نفيسة لشيخ الأزهر الأسبق

الرابط المختصر :