كيف تؤثر رغبات التملك على عقل الإنسان وسلوكه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 22
  • رقم الاستشارة : 6229
27/10/2026

أريد تفسيرا ثقافيا لرغبة التملك المفرط التي أشهدها في الحياة من كثير من الناس، فرغم امتلاكه للكثير من الأشياء إلا أنه يصر على المزيد والمزيد، فهل تلك غريزة مجبول عليها الإنسان، أم غريزة انفلتت من عقالها في الزمن المادي الحالي؟

الإجابة 27/10/2026

أخي الكريم، غريزة التملك من الغرائز القوية ذات التأثير الكبير على عقل الإنسان ودوافعه وسلوكه؛ فالإنسان قد يمتلك الكثير والكثير مما يفوق احتياجاته وذريته لأجيال قادمة، لكن يصر على التملك لأشياء لن يستهلكها أو ينتفع بها، ولعل من أسباب تنامي تلك الغريزة هو سيطرة المادية على عقل الإنسان ووجدانه، فعشرات الآلاف من الجرائم، ومئات الآلاف من القضايا التي تنظرها المحاكم، وملايين المظالم بين الناس، منشؤها ومرجعها إلى غريزة التملك.

 

الجذور البعيدة لغريزة التملك

 

أخي الكريم، غريزة التملك ذات جذور عميقة في النفس، وذات ارتباط وثيق بالحاجات البيولوجية الإنسانية منذ بداية الخليقة؛ لذا كانت آليةً لضمان البقاء الإنساني ماديًّا ومعنويًّا، ومع تطور المجتمعات ترسخت تلك الغريزة، لكنها تحولت من وسيلة للبقاء من خلال امتلاك الغذاء والمأوى إلى وسيلة لتعزيز النفوذ وتأكيد السيطرة والمكانة خاصة بعدما أصبحت الممتلكات امتدادًا للهوية، ووسيلة لتحقيق الأمان النفسي والمادي.

 

يرى عالم النفس "بروس هود" في كتابه "مملوكون: لماذا نريد أكثر مما نحتاج؟" أن رغبتنا في اقتناء الأشياء تتجاوز مجرد حاجتنا للاستخدام، لتصبح وسيلة لإعلان الهوية وتأكيد المكانة الاجتماعية والتعامل مع القلق الوجودي بعدما تحول الإنسان إلى مقايضة أثمن موارده وهو الوقت، بأشياء مادية لا تضمن له السعادة الحقيقية.

 

يرى "بروس هود" أن معظم الناس "تتصرف كما لو كانت مسكونة بممتلكاتها، أو كأنها تحت تأثير خارجي يتحكم فيها، ولعل هذا السبب قد جعل البعض أحيانًا يتصرف بشكل غير عقلاني، نظرًا لحالة التماهي الكبير بين ما يعتقد الإنسان أنه يملكه، وبين هويته.

 

نبّه "بروس هود" أن الإنسان بعد فترة يعتاد على ما يمتلكه، ورغم ذلك يسعى لامتلاك المزيد ظنًّا أنه بذلك يحسن ذاته ويحقق سعادته، لكن تراكم الأشياء قد يزيد من عدم الرضا، يقول "هود": "لو كنا راضين بالتملك، لتوقفنا عن اقتناء المزيد من الأشياء... لكن مزيج لذة المطاردة، والحاجة إلى المكانة، والشعور المُنهك باحتمالية الخسارة، يُظهر أن التملك من أقوى الدوافع البشرية، ولا يستجيب بسهولة للعقل"، وحسب "هود" فإن الرغبة في التملك أصبحت نوعًا من الإدمان، وهو ما يهدد مستقبل البشرية.

 

التملك يغذي الثقة بالنفس؛ فالإنسان عندما يرى ممتلكاته يشعر بطمأنينة، وأن تلك الممتلكات امتداد لهويته، لكن الاعتياد يغري الإنسان بالسعي لمزيد من التملك.

 

التملك حافز للتقدم

 

أخي الكريم، ربما ما ذهب إليه "بروس هود" يتقاطع مع بعض الرؤى الفلسفية الحديثة، فقد رأى الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك" أن الملكية ركيزة للحرية الشخصية؛ لأن ما يكسبه الإنسان بجهده لا بد أن يصبح ملكًا له، وهو رأي يتقاطع مع ما طرحه الفيلسوف "جان جاك روسو" الذي ذهب أن أول إنسان وضع سياجًا حول أرض هو المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني.

 

أما الفيلسوف الألماني "نيتشه" فرأى أن التملك أحد تجليات إرادة القوة، وأن الإنسان لا يتملك لمجرد البقاء؛ بل لفرض سيطرته وتوزيع نفوذه؛ لأن ما نملكه يعكس مدى قدرتنا على هيمنتنا على من حولنا.

 

وغريزة التملك ذات ارتباط بما يفرزه الجسم من هرمونات، وبخاصة هرمون الدوبامين الخاص بالمكافأة واللذة، إذ يوجد ارتباط بين التملك والحصول على السعادة المباشرة، وربما يعود ذلك إلى أن عقل الإنسان يقرن بين التملك والاستحقاق، فيضخم مكانة الأشياء التي يملكها للحصول على السعادة الناتجة عن تأكيد هويته؛ ولذا كان فقدان التملك له انعكاسات السلبية على الشعور بالسعادة.

 

ورغم وجود بعض الجوانب السلبية لغريزة التملك، فإنها محرك أساسي للتقدم والازدهار وبناء الحضارات وتراكم الثروات، فهي من محفزات الابتكار؛ ولذا عندما فككت الشيوعية الملكية الخاصة تحت دعوى أنها السبب في الصراع الطبقي داخل المجتمع وأنها المحفز للاستغلال الطبقي للعمال، عانت التجربة الشيوعية من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لغياب الحافز للعمل والإنتاج؛ ولذا يُقال إن إلغاء الملكية الخاصة في التجربة الشيوعية السوفيتية خلق "اقتصاد الطوابير"، حيث أصبح كل شيء تحت سيطرة الدولة، والمواطن يحصل على احتياجات بعد الوقوف الطويل في الطوابير.

 

موضوعات ذات صلة:

ماذا نقصد بالنيوليبرالية؟

كيف يؤثر الفقر على أنماط التفكير؟

هل الإحساس بالفقر نقص إمكانات أم توحش رغبات؟

ما هي أخلاق الفقر وتأثيرها على المجتمع؟

التعليقات

الرابط المختصر :