الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 5486
01/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا شاب في الثانية والعشرين من عمري، طالب في كلية الهندسة الإلكترونية ومتابع شغوف للمحتوى الدعوي والإسلامي عبر منصات التواصل الاجتماعي منذ سنوات. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود أزمة فكرية ونفسية حادة أعيشها ويعيشها كثير من أقراني من الشباب؛ وهي ظاهرة "تشتت المرجعية المعرفية والدعوية بفعل عقلية صناعة المشاهير (التريند) الرقمي".
المشكلة تكمن في أننا أصبحنا نتلقى معارفنا الشرعية وتصوراتنا عن الدين من خلال منصات ومقاطع "دعاة السوشيال ميديا المشاهير"؛ والذين يعتمد أغلبهم في طرحهم على أساليب الإثارة، والتنقل السريع بين القضايا الشائكة، وصناعة معارك رقمية صاخبة مع مخالفيهم لجلب المشاهدات والتفاعل، دون وجود عمق علمي أو تأصيل شرعي متين.
للأسف، هذا الواقع جعل عقولنا مشتتة ومتقلبة بتقلب منشورات هؤلاء المشاهير؛ وحين نقع في مشكلة فقهية أو أزمة فكرية حقيقية ونلجأ إليهم في الخاص، لا نجد منهم مجيبًا ولا حاضنة، ونكتشف أنهم مجرد ظواهر صوتية في فضاء افتراضي معزول عن واقعنا الإنساني المعيشي.
لقد تسبب هذا في زهدي وزهد الكثير من الشباب في طلب العلم وضياع البوصلة المعرفية لدينا.. كيف يستطيع الشاب المعاصر بناء مرجعية علمية ودعوية راسخة ومتزنة في عصر السيولة الرقمية؟ وكيف يفكّ الارتباط بين بريق الشهرة الافتراضية وحقيقة العلم النافع والتربية الصادقة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك يا بني الغالي وأهلاً بطرحك الصادق وبصيرتك الواعية
الفذة التي وضعت اليد على واحدة من أدق عوائق وأزمات "الدعوة الرقمية
المعاصرة"، وهي تحول منابر العلم والدعوة في عقول الشباب من دائرة
"التأصيل والتزكية الراسخة" إلى مربع "الاستهلاك والنجومية والبريق
الافتراضي المشتت للقلوب والعقول".
إنَّ الشريعة
الإسلامية المطهرة وضعت معايير واضحة ومحكمة لتلقي العلم والمعرفة والتربية، وجعلت
بركة العلم وثمرته مرتبطة بالرسوخ، والتقوى، والتدرج، والمعايشة الحية بين المعلم
والتلميذ، وليست بكثرة الأتباع أو بريق المظاهر والشهرة العابرة؛ وتأمل التحذير
الإلهي والمنهج القرآني المحكم في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وأهل الذكر هم العلماء الراسخون
الذين يجمعون بين فقه النص وورع الباطن والقدرة على التربية والمواكبة؛ وكان
التابعون الكرام يقولون كلمات سارت بها الركبان: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ،
فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»...
وإن اختزال الدين
والعلم الشرعي في مقاطع متجزأة ومنشورات صاخبة يصنعها مشاهير السوشيال ميديا هو
مسلك يورث النفس السطحية، والجدل العقيم، والجفاف الروحي؛ لأن الفضاء الافتراضي
بطبيعته يلهث خلف السريع والمثير، بينما البناء الإنساني التزكوي يحتاج لسكينة،
وتدرج، ومرافقة إنسانية حية لا توفرها الشاشات الصماء.
إن الواجب
المنهجي والدعوي يفرض على الشباب اليوم إحداث "ثورة وعي رقمي وفصل معرفي
حاسم"؛ بحيث يتم التمييز بوضوح بين دور "المحتوى الدعوي الرقمي
العام" (الذي ينبغي أن يقتصر على التذكير بالفضائل، وبث الأمل، والتحفيز
الأولي على الخير)، وبين دور "المرجعية العلمية والتربوية الأصيلة"
(التي لا تؤخذ إلا بالتلقي المنهجي المنظم، والجلوس بين يدي العلماء والمربين
الربانيين الميدانيين في المساجد والمحاضن المعتمدة الثابتة). إن فك الارتباط
ببريق النجومية الافتراضية هو أولى خطوات التعافي المعرفي والعقلي للشاب المسلم
المعاصر.
ومن الناحية
التطبيقية والعملية لك يا بني ولزملائك من الشباب لتجاوز هذه الأزمة المعرفية
الرقمية، نقترح تنفيذ الآتي:
أولاً: إعلان
"الصيام الرقمي المعرفي"؛ من خلال إلغاء متابعة جميع المنصات والحسابات
الدعوية الصاخبة التي تدمن الجدل، وتتبع الزلات، وإشعال المعارك الهامشية، وتصفية
حساباتك لتقتصر فقط على منصات علمية تأصيلية ومؤسسية رصينة تقدم علماً منظمًا
وهادئًا.
ثانيًا: الانتقال
من مربع "المتلقي المستهلك السلبي للمقاطع" إلى مربع "الطالب
المنهجي الفاعل"؛ عبر الالتحاق بالبرامج والأكاديميات الشرعية والتربوية
الرقمية المنتظمة والموثوقة (وهي كثيرة ولله الحمد) والتي تقدم مساقات متدرجة في
العقيدة، والحديث، والفقه، والتزكية، تشتمل على اختبارات ومتابعة علمية منهجية
تعيد لعقلك انضباطه وتوازنه.
ثالثًا: الالتزام
بـ "المرجعية الميدانية الحية"؛ فاجعل لك في مدينتك أو منطقتك شيخًا أو
مربيًا أو عالمًا ربانيًّا مشهودًا له بالخير والورع، تلزم درسه في المسجد
بانتظام، وتستشيره في نوازل حياتك، وتقتبس من وقاره وأخلاقه وسلوكه في الواقع
المعيش؛ فالعلم رحم بين أهله في الحقيقة لا الافتراض.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• لا تجعل كثرة
الإعجابات (Likes)
أو أعداد المتابعين (Followers) معيارًا لصحّة الطرح أو أمانة الداعية؛
فالحق يُعرف بالدليل والبرهان واستقامة السلوك في الواقع، وليس ببرمجيات المنصات
وخوارزمياتها.
• وإذا رأيت من داعية مشهور زللاً أو جدلاً
صاخبًا، فاستغفر له واقفل شاشتك، وإياك والخوض في التعليقات والتراشق الرقمي الذي
يورث القلب قسوة وجفافًا ويضيع عليك أثمن أوقاتك.
• ركز طاقتك
وعقلك بالكامل في تميزك الدراسي والمهني في هندستك، واجعل طلبك للعلم الشرعي زادًا
يملأ قلبك بالسكينة والإخلاص ويقيك الشبهات، لتقوم بثغرك الحضاري على أكمل وجه.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يربط على قلبك، وأن ينور بصيرتك، ويرزقك العلم النافع
والعمل الصالح، وأن يقيك فتن الفضاء الرقمي، ويجعلك هاديًا مهديًا، مباركًا
مستقيمًا أينما كنت.
روابط ذات صلة:
بناء الهوية الدعوية للشباب في زمن التشتت
بوصلة الثبات.. كيف يصمد البناء العلمي للداعية أمام طوفان المعلومات
المشوشة؟