كيف نفهم ونستثمر السنن الإلهية في نهوض الأمم وسقوطها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 242
  • رقم الاستشارة : 4365
18/03/2026

السلام عليكم ورحمة الله.

كنت أتأمل في سنن الله في الأرض والإنسان، وتساءلت: 

لماذا يرفع الله أقوامًا من ركام الاستضعاف، ويخسف بقوى ظننا أنها لا تزول؟ 

وكيف يمكن للإيمان باسمَي الله: الخافض، والرافع، أن يحفظنا من الانكسار في أوقات الشدائد؟ 

وكيف نستفيد من هذه الأسماء الحسنى في بناء وعي نفسي وتاريخي متوازن يساعدنا على الصبر والثبات، ويجعلنا نفهم حركة الكون وسنن الله في نهوض الأمم وسقوطها؟

الإجابة 18/03/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن ينير بصيرتك، ويجعل تأملك هذا سببًا في طمأنينة قلبك وثبات قدمك، وأن يستعملنا وإياك في نصرة دينه وإعلاء كلمته، وبعد...

 

سُنَّتَا الرفع والخسف

 

إن ما تراه في التاريخ والواقع من صعودٍ للمستضعفين وسقوطٍ للمتجبرين ليس خبط عشواء، بل هو تجلٍّ لاسمَي الله عز وجل: الخافض، والرافع، وتطبيق لسنَّة «المداولة».

 

إن الله يرفع أقوامًا من الركام ليُعلِم الخلق أن الأسباب المادية ليست آلهة؛ بل هي مجرد أدوات بيد مسبب الأسباب. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].

 

كما أن القوى التي تظن أنها لا تزول، غالبًا ما تُصاب بداء الاستغناء، وتمعن في الطغيان، وهنا يتدخل القدر الإلهي بالخفض. يقول النبي ﷺ: «إنَّ حَقًّا علَى اللَّهِ ألا يَرْفَعَ شيئًا مِنَ الدُّنْيا إلَّا وضَعَهُ» [رواه البخاري].

 

وتأمل -يا أخي- في حال سحرة فرعون؛ كانوا في ركام التبعية والذل لفرعون، وفي لحظة إيمان واحدة رفعهم الله ليصبحوا منارات في تاريخ الثبات، بينما خُسف بفرعون وجنوده وهم في أوج قوتهم المادية.

 

كيف يحفظنا الإيمان بأسماء الله من الانكسار؟

 

إن الإيمان باسمَي الله: الخافض، والرافع، هو الترياق النفسي ضد اليأس والقنوط، وذلك من خلال عدة ركائز:

 

- اليقين بأن الخفض والرفع بيد الله وحده: عندما تدرك أن البشر لا يملكون لك خفضًا ولا رفعًا إلا بإذن الله، يتحرر قلبك من الخوف منهم.

 

- الخفض والرفع الأخروي هو المعيار: المؤمن يعلم أن الخفض الحقيقي هو الخفض عن مراتب الطاعة، والرفع الحقيقي هو القرب من الله. فإذا انخفضت دنياه ولم ينخفض دينه، فهو في رفعة.

 

- فهم حكمة الابتلاء: قد يخفضك الله في ميزان الدنيا (فقر، فقدان منصب، حرمان من الذرية... إلخ) ليرفعك في ميزان التقوى. يقول ابن عطاء الله: «متى أعطاك أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره، وهو في الكل متعرف إليك، ومقبل بوجود لطفه عليك».

 

- في النبي القدوة والمثل: تذكر حال النبي ﷺ في شِعب أبي طالب؛ كان في قمة الاستضعاف المادي (خفض في معايير الدنيا)، لكنه كان في قمة الرفعة عند الله، ولم ينكسر لأن ثقته بالرافع كانت مطلقة.

 

بناء الوعي النفسي والتاريخي المتوازن

 

الاستفادة من هذه الأسماء في فهم حركة الكون تتطلب وعيًا لا يتأثر باللحظة العابرة:

 

- الوعي التاريخي:

 

الأمم لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالانخفاض عندما تتخلى عن قيم العدل والأخلاق. والوعي باسمي الله جل وعلا: الخافض، والرافع، يجعلنا ندرك أن القوة المادية من دون سند أخلاقي هي رفع مؤقت يعقبه خفض دائم. فعلى سبيل المثال، عندما سقطت الأندلس من يد المسلمين، لم يكن هذا السقوط عسكريًّا فحسب، بل كان خفضًا إيمانيًّا ونفسيًّا وقيميًّا سبق الانكسار العسكري.

 

- الوعي النفسي:

 

ففي الرفعة، يحميك اسم الخافض من الكبر؛ لأنك تعلم أن الذي رفعك قادر على خفضك في طرفة عين.

 

وفي الضيق، يحميك اسم الرافع من الانهيار النفسي؛ لأنك تعلم أن دوام الحال من المحال، وأن الذي أخرج يوسف -عليه السلام- من "ركام البئر" إلى "سدة الملك"، قادر على رفع كربك.

 

وختامًا أخي الحبيب، إن فقه الأسماء الحسنى ليس مجرد معلومات تُحفظ؛ بل هو منظار نرى به تصاريف القدر. فإذا رأيت خفضًا في الأمة أو في نفسك، فاعلم أنه أوان التضرع للرافع، وإذا رأيت رفعًا فاعلم أنه أوان الشكر للخافض.

 

اللهم يا رافع السماوات بغير عمد، ويا من ترفع الذكر وتضع الوزر، ارفع قدرنا وقدر سائلنا في عليين، وأعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، واجعلنا ممن فهموا عنك سننك في الكون، فصبروا عند البلاء وشكروا عند الرخاء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف أحصي أسماء الله الحسنى وأجعلها فاعلة في حياتي؟

الرابط المختصر :
bahiscasino hacklink satın al jojobet casibom casibom betcio betasus betpas