لماذا قد يختم الله بالسوء لبعض مَن نراهم صالحين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 133
  • رقم الاستشارة : 5575
17/08/2026

أنا شابة عمري 26 سنة، والحمد لله بحاول على قد ما أقدر أكون قريبة من ربنا. من فترة سمعت في درس ديني الحديث الشريف اللي معناه إن العبد ممكن يفضل طول عمره يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس.

بصراحة، من يوم ما سمعت الحديث ده وحياتي اتقلبت. بقيت عايشة في رعب دائم ومستمر. الموضـوع مأثر على نفسيتي وعلى عبادتي جدًا؛ بقيت أقف في الصلاة وأنا قلبي مقبوض وبقول لنفسي: "طب أنا بتعب وبجاهد نفسي ليه؟ ما يمكن في آخر لحظة في حياتي أعمل ذنب أضيع بيه كل اللي عملته؟".

أنا عارفة إن ربنا عادل ورحيم وما بيظلمش حد، وعارفة إنه لا يُسأل عما يفعل، وعارفة إن لله حكمة بالغة في كل شيء، ومش بتجرأ إني أعترض.. بس فيه سؤال جوايا طاحن قلبي ومش قادرة حتى أنطقه بصوت عالٍ من كتـر ما أنا خايفة أكون بقع في إثم: هو ليه ربنا ممكن يعمل في حد كده؟ ليه إنسان يعيش طول عمره بيحاول ويطيع، وفي الآخر تكون دي نهايته؟ وليه العكس؟ إيه الحكمة الإلهية في ده؟

أنا خايفة جدًا على إيماني، وعايزة أفهم الحديث بشكل يطمن قلبي. أتعامل إزاي مع الأفكار دي؟

وشكرًا.

الإجابة 17/08/2026

مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبكِ، وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يثبتك على الحق حتى لقائه وهو راضٍ عنك، وبعد...

 

فالمؤمن –لا شك- يخاف على دينه ويخشى النفاق أو سلب الإيمان، ولكن حين يتحول هذا الخوف من دافع للعمل إلى قلق يعطل العبادة ويربك الحياة، فهنا نكون قد انتقلنا من الخوف المحمود إلى الوسواس المذموم الذي يستغله الشيطان ليحرمك من حلاوة العبادة.

 

الفهم الصحيح للحديث الشريف

 

الحديث الذي سمعتِه هو حديث صحيح متفق على صحته، (رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما) وهو مروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ، ونَصُّه: «فوالَّذي لا إلَهَ غيرُهُ، إنَّ أحدَكُم ليعملُ بعملِ أَهْلِ الجنَّةِ حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، ثمَّ يسبِقُ علَيهِ الكتابُ فيُختَمُ لَهُ بعملِ أَهْلِ النَّارِ فيدخلُها، وإنَّ أحدَكُم ليعملُ بعملِ أَهْلِ النَّارِ حتَّى ما يَكونَ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، ثمَّ يسبِقُ علَيهِ الكتابُ فيُختَمُ لَهُ بعملِ أَهْلِ الجنَّةِ فيَدخلُها».

 

وظاهر هذا الحديث قد يورث الذعر إذا قُرِئ بمعزل عن بقية النصوص الشرعية، لكن العلماء بيَّنوا أحاديث أخرى مفسرة له، وترفع هذا الغموض تمامًا:

 

«فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ»: في حديث صحيح، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أهلِ الجَنَّةِ -فيما يَبدو للنَّاسِ- وهو مِن أهلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أهلِ النَّارِ -فيما يَبدو للنَّاسِ- وهو مِن أهلِ الجَنَّةِ» [رواه مسلم].

 

هذه الجملة الاعتراضية في حديثه ﷺ: «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» هي المفتاح الذي يحل المسألة، فالشخص الذي يبدو للناس أنه يعمل بعمل أهل الجنة، هو في حقيقته ليس كذلك، ولم يكن مخلصًا صادقًا في حياته؛ بل كان يعمل الأعمال الصالحة أمام الناس ظاهريًّا رياءً لهم، بينما ينطوي قلبه على نفاق، أو رياء، أو كبر، ويرتكب الذنوب كبيرها وصغيرها في خلوته وفي الخفاء بعيدًا عن الناس.

 

ويقول الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في شرحه لهذا الحديث: «وقول النبي ﷺ: (فيما يبدو للناس) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة خفية للعبد لا يطلع عليها الناس... فتلك الخصلة الخفية تغلب عليه في آخر عمره، فترديه في الهلكة».

 

إن الله -عز وجل- عدل مطلق، لا يظلم عبدًا أقبل عليه بصدق وإخلاص. قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]. ومن المحال في حق الله الكريم الرحيم أن يأتيه العبد بقلب مخلص صادق يجاهد نفسه عقودًا، ثم يخذله الله في آخر لحظة دون سبب أو جُرم باطن!

 

إن الله -سبحانه وتعالى- يا ابنتي، وعد عباده المؤمنين الصادقين بالثبات والجزاء الحسن، والله لا يخلف وعده. فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]. وقال جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

 

حكمة الله من هذا التقدير

 

تسألين: «ليه ربنا ممكن يعمل كده؟ وإيه الحكمة؟». والحكم الإلهية في هذا الأمر جليَّة وعظيمة، تتجلى في مقاصد صريحة تصون إيمان المؤمن وتصلح مساره، ومنها:

 

- قطع الإعجاب بالنفس والغرور بالعمل: إن من أشد الآفات التي تصيب العبد أن يغتر بطاعته وصلاحه، فيرى نفسه مستحقًّا للجنة بعمله أو يستعلي بعبادته على غيره. فجاء الحديث ليقطع دابر العُجب، ويدفع المسلم إلى التواضع الدائم لله، يقينًا منه بأن قبول العمل والدخول للجنة إنما هو بفضل الله ورحمته لا بمجرد العمل الشكلي.

 

- فتح باب الأمل للتائبين: الشق الآخر من الحديث الشريف: «فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» يفتح أوسع أبواب الرحمة والأمل لمن أسرف على نفسه بالمعاصي. فهو ينادي كل مكسور القلب ألا ييأس من روح الله؛ إذ ربما ترفعه لحظة صدق وإخلاص في آخر عمره من أهل الشقاء إلى أهل السعادة.

 

- التركيز على إصلاح البواطن: ينبه الحديث الشريف إلى أن العبرة ليست بظاهر الجوارح والعبادات فقط، بل بصفاء القلوب ونقاء السرائر، حَذَرًا من أن تنطوي النفس على رياء أو كِبر أو ذنوب خلوات تهلك صاحبها.

 

- الاستمرار في الدعاء والافتقار إلى الله: تجعل هذه المعرفة العبد في حالة تعلُّق وإخبات دائمين لله -عز وجل- فيظل حريصًا على تكرار أدعية الثبات وحسن الخاتمة، مستشعرًا فقره إلى هداية ربه وتوفيقه في كل لحظة.

 

أمثلة توضح الحديث والحكم التي فيه:

 

الأمثلة من التاريخ والسيرة كثيرة على هذا، ولكن سأذكر لك مثالين فقط على كل حالة من الحالتين يكفيان للإيضاح، حتى لا أطيل كثيرًا.

 

- شجاع غزوة أحد: روى الإمامان البخاري ومسلم أنه في غزوة أحد، برز رجل من أهل المدينة يُدعى قزمان، وقاتل في صفوف المسلمين قتالًا شديدًا وبسالة نادرة، حتى قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين، وجعل الصحابة يثنون عليه ويتعجبون من شجاعته، وقالوا: «ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان»؛ لكن النبي ﷺ قال فيه: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فاستغرب الصحابة الكرام كيف يكون هذا البطل الشجاع من أهل النار! فتبعه رجل من الصحابة ليرى ما أمره، فجُرِح هذا الشجاع جراحًا شديدة فلم يصبر على ألم الجراح، فوضع سيفه على الأرض وجعل طرف السيف وسط صدره، ثم تحامل عليه فقتل نفسه! وروي أنه قبل أن يموت، قيل له: «هنيئًا لك الشهادة»، فقال: «والله ما قاتلتُ إلا على أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت»!

 

فقد كان هذا الرجل يقاتل في الظاهر مع النبي ﷺ وبجوار الصحابة -فيما يبدو للناس- لكن باطنه لم يكن مخلصًا لله ولا يبتغي الشهادة، بل كان يقاتل حميةً لقومه وقبيلته، فلما نزل به البلاء لم يثبت وقتل نفسه، فكانت نهايته كاشفة لحقيقة ما ينطوي عليه قلبه.

 

- بلعام بن باعوراء: روي أنه كان رجلًا من بني إسرائيل، آتاه الله من العلم والآيات الشريفة ما لم يؤتِ غيره، حتى قيل إنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وكان الناس يقصدونه وينتفعون بعبادته ودعائه. لكن لما أُرسل موسى -عليه السلام- أغراه قومه بالمال والجاه ليقف في وجه الحق ويدعو على نبي الله موسى، فضعف أمام شهوة الدنيا واتبع هواه، وانسلخ من دين الله وآياته، فسلبه الله العبادة والعلم ومات على الكفر. وفي ذلك قال الله عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: 175 و176].

 

لم يكن سقوط بلعام فجأة دون مقدمات؛ بل كان بسبب إخلاده إلى الأرض، وإيثاره شهوات الدنيا الزائلة على رضا الله، فلما خاف على جاهه ودنياه آثر الكفر على الإيمان، فكانت عاقبته سوء الخاتمة.

 

- سَحَرة فرعون: عاشوا عمرهم كفارًا يخدمون طاغية، فلما رأوا الحق مع موسى -عليه السلام- ولامس الإيمان شغاف قلوبهم بصدق، خرُّوا سُجّدًا لله مؤمنين به. فكان كل عمرهم السابق على هذه اللحظة يعملون بعمل أهل النار، وفي لحظة إخلاص واحدة تغير كل شيء، وتحول مصيرهم من النار إلى الجنة.

 

- قاتل المائة نفس: رجل قتل مائة نفس، لكن تحركت في قلبه رغبة صادقة في التوبة، فخرج مهاجرًا إلى أرض الصالحين، فقبض الله روحه في الطريق؛ يقول النبي ﷺ: «فاختَصَمَت فيه مَلائِكةُ الرَّحمةِ ومَلائِكةُ العَذابِ، فأوحى اللهُ إلى هذه أن تَقَرَّبي، وأوحى اللهُ إلى هذه أن تَباعَدي، وقال: قِيسُوا ما بينَهما، فوُجِدَ إلى هذه أقرَبَ بشِبرٍ، فغُفِرَ له» [متفق عليه].

 

الخلاصة يا ابنتي، أن الحديث جاء ليحمي المسلم من آفتين مهلكتين: الغرور بالعمل الذي يدمر الصالحين، واليأس والقنوط الذي يدمر العاصين.

 

كيفية التخلص من هذه الوساوس:

 

1- العناية بالباطن والخبيئة الصالحة: اجعلي بينك وبين الله عملًا صالحًا خفيًّا لا يعلم به أحد (صدقة سر، ركعتين في جوف الليل، كفالة يتيم، جبر خاطر إنسان... إلخ). وطهري قلبكِ من الحقد، الرياء، والحسد.

 

2- الدعاء المأثور بالثبات وحسن الخاتمة: لا يفتر لسانك عن الدعاء بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]. وكان النبي ﷺ وهو المعصوم والمؤيد بالوحي يكثر من هذا الدعاء: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [رواه الترمذي]. وادعي دائمًا: «اللهم إني أسألك حسن الخاتمة، وأعوذ بك من سوء الخاتمة».

 

3- حسن الظن بالله: يقول النبي ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» [متفق عليه]. ويقول: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه مسلم]. فظني بالله أنه يحبك، وأن هدايته لك، وتوفيقك للأعمال الصالحة، والبحث عن الفهم الصحيح، دليل على إرادته الخير بك.

 

4- التعامل مع الوساوس بحزم: إذا جاءك الوسواس أثناء العبادة: «ما فائدة التعب؟»، فلا تناقشي الفكرة ولا تسترسلي معها؛ بل جددي إيمانك وقولي: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ» [رواه مسلم]. واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، وواصلي عبادتك.

 

وختامًا يا ابنتي، استبشري خيرًا، فإن خوفك هذا على إيمانك هو عين الإيمان، وبحثك عن الحق هو دليل توفيق الله لك. إن الله –سبحانه- أرحم بك من نفسك ومن أمك، فاستمري في طاعتك، واطمئني تمامًا لجناب الله.

 

أسأل الله أن يملأ قلبك طمأنينة ونورًا، وأن يزيل عنك همك وغمك، وأن يثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يرزقك لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا، ويقينًا صادقًا، وأن يختم لنا ولك بخاتمة السعادة أجمعين. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف ينال سائق النقل الثقيل حسن الخاتمة؟

في سن الستين.. هل ثمَّة علامات تدلُّ على حُسن الختام؟

التعليقات

الرابط المختصر :