الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
4 - رقم الاستشارة : 6223
26/10/2026
لماذا يعاني بعض الناس وبخاصة الشباب من ظاهرة الاحتراق النفسي؟ ولماذا نرى هذه الأزمة بصورة متكررة في وجوه الناس ونفوسهم وكيف الوقاية منها؟
أخي
الكريم، البعض لا يدرك أهمية الصحة النفسية وتأثيراتها على الفرد والمجتمع، ولا
يدرك أن الأرواح والأنفس تحتاج إلى غذاء وعناية وعلاجات مثلها مثل البدن، فيتعامل
مع النفس وكأنها كتلة صماء بلا احتياج ولا مطالب.
"الاحتراق
النفسي" من بين المشكلات التي يواجهها الإنسان المعاصر اللاهث وراء الاستهلاك
والترفيه والإنجاز، والاحتراق هو حالة من الإرهاق الشديد عاطفيًّا، وجسديًّا،
وعقليًّا، تنتج عن التعرض لضغوط مستمرة ومكثفة لفترات طويلة، وغالبًا ما ترتبط
ببيئة العمل أو الأعباء الحياتية الزائدة.
هذا
الاحتراق هو إجهاد وضغوط لم يتم التعامل معها، لكن في وقتنا الراهن تجاوز الاحتراق
النفسي مرحلة الإجهاد أو الضغط المؤقت، ليتحول إلى أزمة وجودية للإنسان المعاصر
تضرب بجذورها في بنية المجتمع الحديث فلسفيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا؛ ولذا فإن
الشباب أكثر فئات المجتمعات معاناة من تلك الأزمة.
لماذا
يحدث الاحتراق النفسي؟
أخي
الكريم، نمط الحياة الحديثة وبنية المجتمع الحديث، أصبحت بيئة تفرخ الاحتراق
النفسي، الذي أصبح ظاهرة عالمية، تشير الدراسات إلى أن حوالي 48% من القوى العاملة
في العالم تعاني من هذا الاحتراق، وأن نصف موظفي العالم يعانون من الاحتراق النفسي
والإجهاد الشديد المرتبط بالعمل، وهو ما أكدته دراسة نشرت في مارس 2026م، ونبهت أن
العمال الأصغر سنًّا من جيل Z
يبلغون عن انتشار أعلى لأعراض الإرهاق مقارنة بالفئات العمرية الأكبر سنًّا،
كذلك أظهرت الدراسة أن درجات الرفاهية العامة والازدهار قد انخفضت بالنسبة للقوى
العاملة على نطاق واسع عالميًّا.
أما أسباب هذا الاحتراق النفسي، فإن جزءًا كبيرًا منها
يرتبط ببنية المجتمع الحديث، فرغم بريق النجاح الذي يبثه البعض عن حياتهم، فإن
الواقع أن بعض هؤلاء يحترق نفسيًّا من كثرة الإجهاد وكثافة الأحلام اللامتناهية
التي تنهش أرواحهم بلا شفقة، ومن تلك الأسباب:
* الاستعباد الذاتي: وهذا مصطلح صكه الفيلسوف
الكوري الألماني "بيونغ تشول هان" فلهاث الإنسان المعاصر وراء الإنجاز
باعتباره معيارًا يعبر عن القيمة الإنسانية، أنتج أن هذا الإنسان بات يستغل نفسه
للحصول على رضا المجتمع، فأصبح ضحية وجلادًا في نفس الوقت، فلم يرأف بنفسه، ولم
يمنح روحه فترات من السكينة والطمأنينة.
* الفردانية المفرطة: تغلغل الفردانية المفرطة في
المجتمعات الحديثة، كان له انعكاسات سلبية، حيث غابت معها شبكات المساندة والدعم
الأسرية والاجتماعية، وأصبح الإنسان هو من يجني ثمار نجاحه وفشله، ومن ثم تحول
الفشل إلى احتراق نفسي يدمر الذات.
* هيمنة العقل الأداتي: تحول العقل من أداة
للتأمل والبحث عن المعنى والغاية من الوجود، ليصبح أداة تشبه الآلة أو الماكينة
التي تقوم بأعمال نمطية لغاية الإنتاج والربح، هذا العقل الأداتي سيطر على بيئات
العمل وأصبح الحاكم للفلسفة الاجتماعية والإدارية والاقتصادية، وفي ظل هذه البيئة
تم تسليع كل شيء بما فيها الإنسان ذاته.
كيف ننقذ الروح من الرماد؟
أخي الكريم، إنقاذ الروح الإنسانية من الاحتراق، هو
إعادة لانبعاث للإنسان من جديد، ولكي يتحقق هذا الإحياء وتلك النجاة، ننصح:
* تخفيف ضغط الأحلام: وليس معنى ذلك أن يتوقف
الإنسان عن الحلم والتطلع للأفضل، ولكن ما نقصده هو ألا يتحول الحلم إلى وحش ينهش
الذات، ويدمر الإنسان، وأن يدرك الإنسان جانبًا من حقائق الإيمان العميقة وهي أن
الحياة لها نهاية، وأن تحقيق الحلم يخلق حلمًا جديدًا، وأن الرضا والبحث عن لحظات
السكينة قد تكون أنفع للإنسان من بريق النجاح الذي يبني برجه العالي من لبنات
تحطيم الذات.
* إحياء لحظات التأمل: التأمل يشبه سكب الماء على
تلك الذات المحترقة؛ فالمعاني لا تولد مع صخب الحياة والتوتر، وإذا استطاع الإنسان
أن يصل إلى نفسه فقد نجح في إنقاذها من الاحتراق.
* الصوم الرقمي: تخفض تأثير الرقمية على الإنسان
أحد أطواق النجاة من الاحتراق النفسي؛ فالرقمية محفز للرغبات لتنمو في النفس،
ومحرض للإنسان أن يركض وراءها.
* إعطاء الجسد حقه: إنهاك الجسد هو أحد مسببات
الاحتراق النفسي، فالجسد ليس آلة حديدية بلا قلب، ولكنه يتعب ويكل ويمرض، وإعطاؤه
حقه من الراحة والمتعة والنظافة والرعاية، يمنح الروح فرصة كبيرة للتعافي والوقاية
من الاحتراق النفسي.
موضوعات ذات صلة:
هل أصبحت الفلسفة المادية نقيضًا للرضا في حياتنا؟
هل للحياة الحديثة تأثير على معاناتنا؟