الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5380
23/07/2026
أنا تاجر وعندي بضائع مكدسة في المستودعات لم يمر عليها سنة كاملة، لكنني بحاجة إلى سيولة نقدية عاجلة، فسأقوم ببيعها قبل الحول، فهل يجوز لي شرعاً "إخراج زكاة مالي معجلة قبل الحول بعدة أشهر لمساعدة عائلات فقيرة في حارتنا، أم أن الحول شرط لا يجوز تقديمه؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وبارك الله لك في
تجارتك ورزقك الحلال، وجزاك خيرًا على حرصك على مساعدة الفقراء والمحتاجين من أهل
حارتك. إنّ التجارة في عروض البضائع والسلع المعروضة للبيع تُعدّ من الأموال
الزكوية التي تجب فيها الزكاة بشرطين أساسيين: بلوغ النصاب، ومرور الحول سنة هجرية
كاملة.
والتساؤل عن جواز إخراج الزكاة قبل تمام حولها لحاجة
الفقراء أو لتيسير السيولة هو مسألة فقهية معروفة بـ "تعجيل الزكاة قبل
الحول". وقد راعت الشريعة الإسلامية في هذا الباب الموازنة بين حماية مال
المزكي وتحقيق المصلحة العاجلة للفقراء وسد حاجاتهم.
اختصارًا: يجوز لك شرعًا إخراج زكاة تجارتك وتعجيلها قبل تمام الحول بعدة أشهر
لمساعدة العائلات الفقيرة، ولا حرج عليك في ذلك، ويُشترط لصحة تعجيل الزكاة أن
يكون مالك البضائع والسيولة قد بلغ النصاب بالفعل وقت إخراج الزكاة المعجلة.
وتقديم موعد إخراج الزكاة لإغاثة المعوزين وسد الفاقة في
المجتمع أمرٌ مستحب ومندوب إليه؛ لما فيه من المسارعة في الخيرات وتحقيق مقصد
الشريعة في التكافل الاجتماعي.
وعند اكتمال الحول، تقوم بحساب مجموع زكاة بضائعك
وسيولتك الكلية؛ فإن كان ما أخرجته معجلاً مساويًا للواجب فقد برئت ذمتك، وإن كان
أقل أخرجت الباقي، وإن كان أكثر حُسبت الزيادة صدقة تطوع أو زكاة معجلة للحول
القادم.
وتفصيلاً:
اتفقت جماهير أهل العلم على جواز تعجيل الزكاة إذا وجد
سبب الوجوب وهو ملك النصاب، واختلفوا في بعض التفاصيل الإجرائية:
رأي جمهور العلماء الحنفية، والشافعية، والحنابلة
يرى الجمهور جواز تقديم إخراج الزكاة قبل تمام الحول
لسنة أو سنتين، بشرط أن يكون النصاب كاملاً وقت التقديم، واستدل الجمهور بما رواه
علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أنَّ العَبَّاسَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحُولَ، فَرَخَّصَ لَهُ
فِي ذَلِكَ».
وقال الإمام النووي (ت: 676هـ) في كتابه "المجموع
شرح المهذب": «يجوز تعجيل الزكاة قبل حولان الحول بلا خلاف عندنا إذا كان
النصاب كاملاً... لأن السبب وهو ملك النصاب قد وجد، فجاز تقديم الواجب عليه كتقديم
الكفارة بعد الجرح وقبل الموت».
الفقه الحنبلي:
قال الإمام ابن قدامة المقدسي ت: 620 هـ في كتابه
"المغني": «ومتى وجد السبب - وهو ملك النصاب الكامل - جاز تعجيل
الزكاة... والأفضل عدم التعجيل إلا أن تكون هناك حاجة ماسة أو مصلحة راجحة للفقراء
كشدة مجاعة ونحوها، فيكون التعجيل حينئذٍ».
الفقه الحنفي:
قال الإمام الكاساني (ت: 587هـ) في كتابه "بدائع
الصنائع في ترتيب الشرائع": «وأما تعجيل الزكاة قبل الحول بعد وجود النصاب
فجائز؛ لأنه أدى الواجب بعد وجود سبب الوجوب، فيقع أداءً جائزاً كما في تقديم أداء
الدين قبل أجله
رأي المالكية وموافقيهم
يرى المالكية في المعتمد عندهم عدم جواز تعجيل الزكاة
قبل الحول بزمن طويل، وأجازوا تقديمها فقط بزمن يسير كشهر أو أيام معدودة قبيل
حلول الأجل، وقد قاسّوا الزكاة على الصلاة، فكما لا تجوز الصلاة قبل دخول وقتها،
لا تُجزئ الزكاة قبل حولها.
قال الإمام ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ) في "بداية
المجتهد ونهاية المقتصد": «واختلفوا في تعجيلها قبل الحول؛ فجمهور الفقهاء
على جوازه لحديث العباس، ومنع ذلك مالك وأصحابه إلا باليوم واليومين والشهر
ونحوه».
قرارات الفتاوى والمعاصرين
رجّحت هيئات الفتوى المعاصرة رأي الجمهور بـ جواز
التعجيل مطلقًا عند وجود المصلحة الشرعية، جاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية:
«يجوز شرعًا تعجيل إخراج الزكاة قبل موعد استحقاقها لحول أو حولين، لا سيما عند
وجود الحاجة العامة أو الشديدة كإعانة الفقراء وإغاثة الملهوفين، بشرط كمال النصاب
وقت الإخراج».
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
بالمملكة العربية السعودية: «إذا دعت الحاجة إلى تعجيل الزكاة قبل تمام الحول
لدفعه لفقراء محتاجين أو أقارب معوزين، فلا بأس بذلك، بشرط أن يكون المال المتزكّى
قد بلغ النصاب». (فتاوى اللجنة الدائمة، المجموع الثاني، المجلد 8، الصفحة 280).
القواعد الفقهية الحاكمة
1. قاعدة: «إِذَا وُجِدَ سَبَبُ الوُجُوبِ جَازَ
تَقْدِيمُ الحُكْمِ عَلَى شَرْطِهِ»
سبب وجوب الزكاة هو "ملك النصاب"، وشرط وجوب
الأداء التام هو "تمام الحول". وبما أن سبب الوجوب قد تحقق في مالك
وتجارتك، جاز تقديم أداء الحق الزكاة قبل تحقق شرطه التام.
قاعدة: «يُغْتَفَرُ فِي الوَسَائِلِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ
فِي المَقَاصِدِ»
الحول مجرد ضابط وزمان وهو وسيلة، بينما المقصد الأعظم
من الزكاة هو سد فاقة الفقير وإغنائه. فلأجل تحقيق المقصد الأسمى، يُغتفر التنازل
عن الضابط الزمني بالتقديم.
قاعدة: «المَصْلَحَةُ العَامَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى
المَصْلَحَةِ الخَاصَّةِ»
مصلحة الفقراء في الحصول على القوت والسيولة العاجلة
لمواجهة أعباء المعيشة تُقدَّم على مصلحة التريث بانتظار تمام الحول التام. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
حكم دفع الزكاة معجلاً على أقساط