الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5797
10/09/2026
ما هو شرح حديث الرسول من رغب عن سنتي فليس مني؟ وهل الذي لا يفعل السنن والمستحبات لا يكون من النبي؟ أرجو توضيح الحديث.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم أخي حفظك
الله ورعاك، أن فهم النصوص الشرعية يتطلب التفريق بين المعاني اللغوية
والاصطلاحية التي استقر عليها العرف الفقهي، وبين المعاني التي كانت تُقصد في عصر
النبوة. ومصطلح "السنة" من المصطلحات التي وقع فيها لبس لدى البعض بسبب
الخلط بين دلالتها في متون الأحاديث النبوية، ودلالتها عند علماء الأصول والفقه.
وهذا الحديث أصل عظيم في بيان وسطية الإسلام واعتداله، والتحذير من الغلو والتشدد
في الدين.
اختصارًا: من
ترك السنن والمستحبات كالنوافل، وصيام التطوع تكاسلاً أو انشغالاً لا يشمله الوعيد
الوارد في الحديث، ولا يخرج عن هدي النبي ﷺ، بل هو مسلم مقصر في نيل الأجور العظيمة.
أما قوله ﷺ: "من رغب
عن سنتي"، فالمقصود بـ "السنة" هنا: الطريقة والمنهج وليس المعنى
الفقهي الذي بمعنى المندوب أو المستحب الذي يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه. فالوعيد
في الحديث ينصبّ على من احتقر طريقة النبي ﷺ، أو اعتقد أن التشديد على النفس بترك
الزواج واللحم والنوم هو طريق أفضل من طريقته المعتدلة، فهذا هو الذي تبرأ منه
النبي عليه الصلاة والسلام.
وتفصيلاً:
أولاً:
نص الحديث وتخريجه:
عن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ
النَّبِيِّ ﷺ، يَسْأَلُونَ
عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ،
فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ
النَّبِيِّ ﷺ؟ قَدْ غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا
أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ
الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا
أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ
الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ
وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ،
وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». [متفق
عليه: أخرجه البخاري 5063، ومسلم 1401].
وقد
بيّن الحافظ ابن حجر رحمه الله بدقة في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري قائلاً:
"المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه
إلى غيره، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني... فإن كان رغبة عنها
لاعتقاد فضل عمله عليها فهو نوع من الكفر، وإن كان لمجرد الإعراض فلا يكفر بل يكون
عاصيًا".
وأيضًا
الإمام النووي رحمه الله نص على ذلك في شرح صحيح مسلم فقال: "معناه من رغب عن
طريقتي فليس على هديي... وفيه النهي عن التشدد في الدين، والنهي عن الرهبانية،
وبيان أن طريقته ﷺ هي
القصد أي الاعتدال".
وقال
العلامة ابن عثيمين رحمه الله: قال في شرح رياض الصالحين: "السنة تطلق على
الطريقة، وتطلق على المندوب... فمن ترك شيئًا من المندوبات كصلاة الضحى أو الوتر
أو قيام الليل لم يرغب عن سنة الرسول، بل هو تارك لبعض النوافل، لكن من رغب عن
الطريقة واختار أن يبتدع طريقة أخرى فهذا ليس من الرسول ﷺ".
وجاء
في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تأكيد المعنى ذاته:
"المقصود بالسنة هنا هدي النبي ﷺ وطريقته في العبادة وفي شؤون الحياة، وليس المقصود بها ما يثاب فاعله ولا يعاقب
تاركه، فمن اعتقد أن سنته ﷺ غير كافية، أو أن غيرها خير منها، فقد رغب عنها، وهو على خطر عظيم".
القواعد
الفقهية والأصولية الحاكمة في الالتزام بالسنة:
"اختلاف
الحقائق باختلاف الاصطلاحات": فالسنة عند الأصوليين
والفقهاء هي ما يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه، بينما السنة في لسان الشارع النبي ﷺ غالبًا ما تُطلق
على المنهج والطريقة والدين كله بشقيه الواجب والمستحب.
"المشقة
لا تُقصد شرعًا لذاتها": فتشديد الإنسان على نفسه باعتزال
المباحات كالزواج والنوم ظنًّا منه أن هذا يُقربه إلى الله، هو مسلك يعارض مقاصد
الشريعة التي جاءت بالسماحة والتيسير.
"الأصل
في العبادات التوقيف": فلا يُشرع التعبد لله بترك المباحات
التي أحلها الله، ولا باختراع طرق للعبادة لم يفعلها النبي ﷺ، بل الخير كله
في الاتباع والوقوف عند هديه. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كيف نصنع حياتنا على هدي النبي ﷺ؟