هل يعكر طغيان إلحاح الإنجاز سعادة الإنسان؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 9
  • رقم الاستشارة : 5829
11/09/2026

كيف يؤثر طغيان مفهوم الانجاز على حياة الإنسان وهل يعكر صفو حياته؟

الإجابة 11/09/2026

أخي الكريم، الإنسان المعاصر، وبخاصة الشباب، بات مهووسًا بالإنجاز، ذلك الهوس الذي طغى على تفكيره ووجدانه وعكر صفو سعادته، وجعله يلهث وراء أحلامه بلا توقف وبلا استراحة وبلا انتهاء للرغبات والأحلام، التي تنقل حلمًا لآخر.

 

من أين أتت التعاسة؟

 

أخي الكريم، سعادة الإنسان لا تتوقف على العوامل المادية فقط أو ما يملكه ويستهلكه، ولكن السعادة لها جانب روحي ونفسي ووجداني، ولها نبع داخلي في أعماق الإنسان هو ما يمنحه مشاعر السعادة.

 

مع تطور المجتمعات الحداثية التي تؤمن بسيادة العقل، والتي تتسم بالإنتاج الصناعي الكثيف والتقدم التكنولوجي، وتنتظم العلاقات فيها على أساس المواطنة والتراجع النسبي للروابط التقليدية في تشكيل الهوية، اتسمت تلك المجتمعات بالفردية، التي تعطي قدرًا كبيرًا لاستقلال الفرد ومصالحه بغض النظر عن المجتمع، هنا أصبح الإنجاز في تلك المجتمعات مفهومًا ثقافيًّا محوريًّا، خاصة بعدما أصبح يمكن قياسه من خلال الثروة والتعليم والوظيفة والوضع الاجتماعي، فتحول الإنجاز كمعيار لقيمة الشخصي كمؤشر لا تخطئه العين على النجاح.

 

أدت تلك التغيرات الفكرية والثقافية إلى تغير في التصورات حول الذات وجدارتها، فإذا كانت الفردية تمنح حرية للفرد في تقرير مصيره، فإنها أيضًا تلقي على تلك الذات عبئًا في النهوض بنفسها وأن تتحمل نتيجة إخفاقاتها، ومع تنامي تلك الروح أصبح الإنجاز هوسًا، وانتقل كوسيلة لتحقيق الكسب، ووسيلة لتحقيق الذات، وحلم لا يصحو منه الإنسان.

 

الإنتاجية السامة

 

هنا أصبحنا أمام ما يسمى بـ"الإنتاجية السامة" ذلك الهوس غير صحي بالتطوير الذاتي والعمل المستمر، حيث يشعر الشخص بالحاجة إلى إنجاز المهام طوال الوقت على حساب صحته النفسية والجسدية وعلاقاته الاجتماعية، وفي هذا الوضع، يصبح تقدير الذات مرتبطًا فقط بمستوى الإنجاز اليومي، ويتحول الشعور بالراحة أو وقت الفراغ إلى مصدر للذنب والقلق.

 

تنتقد الكاتبة "تريشيا هيرسي" في كتابها "الراحة هي المقاومة" ثقافة الإنتاجية السامة، وتدعو إلى تعريف الراحة كوسيلة للتحرر، وليس لإعادة تدوير عجلة الرأسمالية بكفاءة ونشاط؛ ولذا تعتبر الراحة حقًّا إنسانيًّا، وترفض مقولة أن الإنسان يجب أن "يستحق" الراحة، وترى أن الراحة حق أصيل للإنسان، وليس شيئًا يجب كسبه بالعمل، مؤكدة أن الراحة مساحة للتشافي والتعافي النفسي والبدني، ومساحة للابتكار واستعادة إنسانيتنا التي تُسلب منا بفعل وتيرة الحياة السريعة، تقول "هيرسي": "إن سعينا الدؤوب وهوسنا بالبقاء في حالة إنتاجية دائمة يقودنا إلى طريق الإرهاق والشعور بالذنب والخزي، نعتقد خطأً أننا لا نبذل ما يكفي، وأنه يجب علينا توجيه حياتنا باستمرار نحو المزيد من العمل، والفرق الذي يجب تكراره مرارًا وتكرارًا هو: نحن لا نرتاح لنكون منتجين، بل نرتاح ببساطة لأن هذا حقنا الإلهي".

 

وختامًا أخي الكريم، لا ترهق نفسك كثيرًا، ولا تجعل روح الإنجاز تطغى على حياتك، وتشعرك دائمًا بالذنب، رغم ما تبذله في يومك من جهد ومشقة وجد واجتهاد؛ فالشعور بالذنب وأن تضع رأسك على وسادتك للنوم بعد مشقة العمل يجب أن يكون مغلفًا بالقناعة والرضا، وأن تقتنع أنك بذلت ما عليك في يومك، وأن الله تعالى سوف يعطيك ويمنحك ويكافئك.

 

ولعل تلك الروح هي ما تمنحنا الطمأنينة عندما نغمض أعيننا، وليس إرهاق الانجاز الذي يسقينا جرعات المرارة على ما لم نستطع أن نحققه في يومنا من إنجاز، وهنا أتذكر مقولة "هيرسي": "فبعد أن غُسلت أدمغتنا بالرأسمالية، نُخضع أجسادنا وعقولنا للعمل بوتيرةٍ غير واقعية، ومُدمِّرة، تُشبه وتيرة الآلات، مُغذِّين بذلك نفس المحرك الذي استعبد الملايين في عملٍ وحشي لمصلحته الخاصة المُستمرة".

 

موضوعات ذات صلة:

المجتمع المرهق.. لماذا أصبح سمة العصر الحالي؟

هل يعيد التفكير في المستقبل تشكيل تفكيرنا؟

كيف تتشكل العلاقات السامة وكيف أقاومها؟

الطموح هل هو نقمة أم نعمة؟

كيف أستفيد من الطموح لصحتي العقلية والنفسية؟

التعليقات

الرابط المختصر :