هل أتزوج بدون علم أبي؟!

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته</p> <p>أنا فتاة أبلغ من العمر 24 سنة، وأنا مخطوبة وسأتزوج قريبًا بإذن الله. منذ صغري ووالداي منفصلان؛ والدي تخلّى عن تربيتنا -عني وعن أختي- منذ ولادتنا، وترك مسؤولية التربية كلها لوالدتي. لم يشارك في رعايتنا ولا في تلبية احتياجاتنا العاطفية، وغيابه ترك أثرًا عميقًا في نفوسنا<span dir="LTR">.</span></p> <p>والدتي، التي تحملت وحدها عبء التربية والمشقة، ما زالت مجروحة من تخليه وطريقة رحيله، وهي ترفض رفضًا قاطعًا أن يحضر والدي حفل زواجي، بل وصل الأمر أن والدتي لا تريد حتى إعلامه بموعد الزواج أو بخبر الخطوبة. تقول إنها لا تريد أن تتعرّض لمزيد من الألم ولا تريد أن تعيد فتح جراح الطفولة أمامي أو أمام أختي<span dir="LTR">.</span></p> <p>أما أنا فأشعر بصراع داخلي شديد: من ناحية أحترم وأقدّر تضحيات والدتي وحقّها في الحماية، ومن ناحية أخرى أشعر بحاجة إنسانية -ولو بسيطة- إلى أن يعلَم والدي بخبر حياتي المهمة، وربما إلى اعتراف أو لقاء رمزي معه لأشعر بأن لي أبًا في هذا اليوم.</p> <p>لديّ مشاعر مختلطة: غيرة، حزن، رغبة في الاعتراف، وشعور بالذنب إذا فاجأت والدتي أو خنت ثقتها بإخباري له. أخاف أن يثير حضور والدي مشاكل يوم الزفاف أو أن يجرح والدتي، وأخشى أيضًا أن أعيش نادمة لو لم أخبره أو لم أمنحه فرصة للاعتراف<span dir="LTR">.</span></p> <p>سؤالي لحضرتك دكتورة: كيف أتصرف في هذا الموقف؟ هل عليّ الطاعة لوالدتي وحرمان والدي من أي معرفة بالزواج نهائيًا؟ أم لي حق أخبر والدي أو أدعوه حتى لو كان ذلك يُزعج والدتي؟ كيف أوازن بين حقّي في الاحتفاء بيوم زفافي وبين حماية مشاعر والدتي، ودون أن أُلحِق أذى طويل المدى بعلاقات الأسرة؟ وأخيرًا، كيف أتحاشى اتخاذ قرار يسبب ندمًا لاحقًا؟</p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ابنتي الغالية،

 

أول ما أود أن أعبّر عنه هو تقديري العميق لمشاعركِ النقية وصراحتكِ في وصف الصراع الداخلي الذي تعيشينه، فهذا دليل على وعيكِ الناضج وامتلاككِ لـ "الوعي الانفعالي" (Emotional Awareness)، وهو الخطوة الأولى نحو اتخاذ قرار متوازن.

 

غاليتي، دعينا نفكّر بهدوء وبمنطق واقعي:

 

أولًا: في حق الأم:

 

أمكِ تحملت مسؤولية التربية كاملة، وقامت بدور الأب والأم معًا، وضحّت بوقتها وصحتها وطاقتها من أجلكِ ومن أجل أختكِ. ومن الطبيعي أن تتألم من فكرة حضور والدكِ؛ لأن الجرح النفسي الذي تركه بتخليه عنكم ما زال حاضرًا لديها. وهذا ما رسّب بداخلها ما يُسمّى "أثر الصدمة العائلية غير المعالجة" (Unresolved Family Trauma). لذا، موقفها ليس مجرد عناد، بل هو آلية دفاعية لحماية نفسها وحمايتكما.

 

ثانيًا: في حق الأب:

 

رغم تخليه عن دوره التربوي والإنفاق عليكم، يبقى والدكِ، والله تعالى أمر ببر الوالدين والإحسان إليهما، قال سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وهنا يظهر مفهوم "التمييز بين الحق التربوي والحق الشرعي"، فقد قصّر في التربية، لكنه لا يفقد كونه والدًا له حقوق إنسانية في حدود ما لا يضرّكِ أو يضرّ والدتكِ.

 

 ثالثًا: في حقكِ أنتِ:

 

من الطبيعي أن تبحثي عن اكتمال المعنى في أهم محطات حياتكِ، وأن ترغبي في أن يشارككِ والدكِ فرحتكِ، ولو بالعلم فقط. هذا الشعور يُعرف في علم النفس الأسري بـ "الحاجة إلى الاعتراف الأبوي" (Parental Acknowledgment Need)، وهو حاجة نفسية عميقة عند الأبناء، حتى لو قَصَّر الآباء في واجباتهم.

 

 وهنا كيف نوازن بين الأطراف؟

 

- لا بد من الحوار الأسري :فقبل أن تتخذي قرارًا، اجلسي مع والدتكِ بهدوء، وشاركيها مشاعركِ دون لوم أو اتهام، بل بتعبير عن حاجتكِ الإنسانية. وحوارك يكون بتواصل غير العنيف.

 

- إشراك طرف وسيط: يمكنكِ الاستعانة بأحد الأقارب الموثوقين أو أحد الكبار من العائلة للتواصل مع والدكِ، بحيث يُبلّغه بخبر الزواج بطريقة تحفظ كرامة أمكِ وتمنع الاحتكاك المباشر. ويحاول أيضا إقناع والدتك بحضوره ولو لمدة قصيرة، فإن أصرت على الرفض، فأبلغوه برفضها حضوره.

 

- ويمكن اللجوء لحل وسط :قد لا يحضر والدك حفل الزفاف احترامًا لرغبة والدتكِ، ولكن يمكن أن يُعلم بالزواج بوسيلة تحفظ حقكِ في الاعتراف، كرسالة أو اتصال قصير.

 

ولكن تذكّري حبيبتي أن ما يرضي الله أولًا هو صون قلب والدتكِ وإكرامها، فهي صاحبة الفضل الأكبر في حياتكِ، والنبي ﷺ قال: "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك".

 

ثم اطمئني يا ابنتي، فاختياركِ لأي حل من هذه الحلول لن يُفقدكِ قيمتكِ كابنة، ولن يمنعكِ من النمو النفسي السليم.

 

المهم أن يكون قراركِ مبنيًّا على مبدأ "الموازنة بين الحقوق والواجبات"، لا على انفعال لحظي أو ضغط عاطفي.

 

وفي النهاية، أنتِ لكِ الحق في اتخاذ قرار متوازن يحقق لكِ الطمأنينة النفسية ويُبعد عنكِ شعور الندم المستقبلي.

 

 * همسة أخيرة:

 

أوصيكِ يا بنيّتي أن تُقدّمي مَن بذلت عمرها لأجلكِ، وأن تبحثي عن صيغة تحفظ مشاعركِ وتُرضي الله أولًا وأخيرًا.

 

واعلمي أن الزواج بداية حياة جديدة، فلا تجعليه ساحة لإحياء جراح قديمة، بل محطة لبناء صفحة بيضاء في حياتك.

 

روابط ذات صلة:

هل بري لأمي يعني قطيعتي لأبي؟!!

قطيعة الرحم تمنع زواجنا!!