<p style="direction: rtl;">السلام عليكم دكتورة<span dir="LTR">…</span></p> <p style="direction: rtl;">أنا بنت عمري ١٦ سنة، وماراح أطوّل عليك، بس أنا وصلت لمرحلة ما عاد أقدر أتحمّل فيها أكثر<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">مشكلتي مع أبوي... أبوي دكتورة عصبي بطريقة مو طبيعية، وأقل كلمة تضايقه، ومع أول خلاف أو أي شي ما يعجبه... يمدّ إيده ويضربني، وبقوة بعد. مرات يعصب ويصرخ بويهِي، ومرات يطق بدون أي سبب مقنع، وأنا صرت أخاف حتى أطلع من غرفتي<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">الصراحة... أنا صرت أكرهه. إي نعم أكرهه... لأن أذاني نفسيًّا قبل لا يؤذيني جسديًّا. صرت أحس إني مو إنسانة، كأني عايشة بحياتي على الخوف بس<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">وأمي الله يحفظها… أمي طيبة وحنونة، وأنا أتحمّل كل شي عشانه. لو تدخلت تحوشني يصير أسوأ! يزفّها ويصرخ عليها ويمكن يمدّ يده عليها. فأنا أسكت وتحمل بس علشانها… ما أبي أكون السبب إنها تنضرب بسبّتي<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">دكتورة أنا مخنوقة… حرفيًا مخنوقة<span dir="LTR">…</span></p> <p style="direction: rtl;">صرت ما أنام، ودايم قلبي ينتفض إذا سمعت صوته، وصرت أعيش اليوم كله توتر. ما أبي أكرهه بهالطريقة، ولا أبي حياتي تمشي على الخوف، بس ما أدري شسوي؟ أخاف أتكلم… أخاف أحكي لأحد… وأخاف الوضع يكبر أكثر<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">شنو أسوي؟ شلون أحمي نفسي وأمي؟ وهل طبيعي مشاعري تجاه أبوي؟</p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
ابنتي الحبيبة، أشعر بألمك، وأقدّر حجم الضيق والاختناق الذي تعيشينه، وما وصفتِهِ ليس أمرًا هيّنًا على نفس طفلة أو فتاة في مثل عمرك. وليس من السهل أن يستيقظ الإنسان كل يوم وهو يعيش تحت تهديد الخوف، وداخل بيتٍ يفترض أن يكون مأوى الأمان والطمأنينة.
ما تفعلينه الآن –طلب المساعدة– خطوة ناضجة وشجاعة، تدل على أنك فتاة واعية وذكية، وتبحثين عن حماية لنفسك ولأمك دون أن تتسرعي أو تكسري حدود الأسرة.
وبداية سوف أوضح لك جوانب متعددة من مشكلتك:
أولًا: مشاعرك تجاه والدك ليست ذنبًا..
إن ما تشعرين به من كراهية أو نفور أو خوف هو رد فعل نفسي طبيعي تمامًا تجاه العنف، ويُسمّى في علم النفس بـ "رابط الألم بالخوف"، وهو نمط يجعل الضحية مترددة بين الحاجة للأمان والحب، وبين الخوف الشديد ممن يفترض أن يوفر لها هذا الأمان.
أنت لا تكرهينه لذاته، بل تكرهين أذاه وتصرفاته. وهناك فرق كبير بين الأمرين. وقد أشار القرآن الكريم إلى أن القلوب لها انفعالاتها التي لا تُحاسَب عليها مباشرة ولا تستطيع أن تتعداها، إذ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فلا تلومي نفسك على هذه المشاعر.
ثانيًا: عنف والدك ليس "طبعًا عابرًا" بل سلوك مؤذٍ يحتاج إلى حدّ..
الضرب المتكرر، والصراخ، والإهانة، وهي في علم النفس توصف بـ الإساءة الجسدية والعاطفية Physical & Emotional Abuse وهي نمط عنيف يسبب آثارًا طويلة المدى، مثل تهديد الشعور بالأمان الداخلي، وانخفاض تقدير الذات، ومشاعر القلق المزمن، اضطراب النوم، بالإضافة إلي الخوف المجتمعي. وهذه مؤشرات لا يجوز التساهل معها.
ثالثًا: خوفك على والدتك شعور نبيل ولكن..
اتخاذك دور "حامية الأم" أرهقك أكثر مما تحتملين في هذه السن. هذا الأمر مرفوض تربويًّا؛ لأن يحمّل الابن/الابنة دورًا يفوق طاقته العاطفية.
أنت محبة لوالدتك، وهذا جميل، لكن ليس هذا حلا؛ فحماية الأم لا تكون بأن تتلقي أنتِ الضرب بدلًا عنها، بل بإيجاد قنوات دعم أكثر وعيًا وأمانًا.
رابعًا: ما الذي يمكنك فعله لتحمي نفسك دون مواجهة مباشرة؟
1. تقليل الاحتكاك وقت الغضب.. عندما يبدأ والدك بالعصبية، انسحبي بلطف ودون جدال. ليس جبنًا، بل يسمى في علم النفس De-escalation Strategy أي تقليل التصعيد.
2. انسحابك يكون إلى "مساحة آمنة" داخل المنزل.. غرفة مغلقة، مكتب، أو مكان تعرفين أنه لا يدخل إليه وهو غاضب. هذا يساعد على تقليل وطأة الخوف.
3. التواصل مع أحد الأقارب الموثوقين.. عمّ، خال، جدّ، أي شخص قريب حكيم. لا لتشويه صورة الوالد، بل لحماية البيت من الانهيار. فالتدخل العائلي أحيانًا يكون مطلوبًا، وأرحم من استمرار الألم.
4. كتابة مشاعرك على ورق.. حيث إن تدوين مشاعر الخوف والغضب يساعد على تخفيف الضغط الداخلي، وهو أسلوب نفسي فاعل يسمى Emotional Discharge.
5. إذا كان هناك خطر جسدي زائد.. أو إن كان والدك يخرج عن شعوره بخروجه عن وعييه بسبب تناوله لأي من أنواع من المخدرات مثلا، فالشرع والقانون معك، إذ قال رسول الله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار"، وأجمع العلماء على أن حماية النفس مقدمة على طاعة الوالد في مواضع الأذى.
خامسًا: هل يمكن إصلاح علاقتك بوالدك؟
نعم، لكن ليس الآن. أنتِ الآن في مرحلة "الحماية"، وليست مرحلة "الإصلاح". العلاقة مع الوالد يمكن أن تُصلَح فقط عندما يهدأ، ويكون مستعدًا لسماع رأي طرف آخر، أو حين يتدخل شخص حكيم. أما المواجهة المباشرة منك حاليًا بدون استعداد فأخشى أن تزيد العنف.
وأخيرًا يا ابنتي.. أريدك أن تعرفي هذه الحقيقة جيدًا: أنت لستِ سبب العنف. وأنت لست مذنبة. وما تتعرضين له ليس طبيعيًّا ويجب ألا تعيشي عليه.
* همسة أخيرة:
حبيبتي، أنت فتاة قوية، ووعيك بهذا الألم هو أول خطوة للخروج منه. وكنتِ عظيمة حين فكرت في حماية أمك، لكن عليك أيضًا أن تحمي نفسك. أسأل الله أن يلين قلب والدك، وأن يجعل لك ولأمك من كل ضيق مخرجًا.
روابط ذات صلة: