بعد الطلاق.. كيف تستعيدين حسن الظن بالله واستشعار لطفه؟

<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا معلمة، 42 سنة، ومؤخرًا مرقت بتجربة طلاق قاسية كتير بعد سنين طويلة من الظلم والقهر. طول هيديك السنين وأنا صابرة، أدعي بالليل والنهار، أستخير، وأقنع حالي إنو الفرج قريب وإنو الله ما رح يضيعني. بس بالنهاية انتهى كل شيء بالطلاق، وحسيت كأنو كل هيديك السنين راحت هدر.</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">اليوم، بالرغم من إنو عم بحاول وقف على رجلي وركز بشغلي بالمدرسة وبين طلابي، بس لما برجع على البيت وبقعد مع حالي، بحس بجرح عميق بقلبي مش عم يلتئم. عم أوجد صعوبة بالغة إني ارجع أبني حسن الظن بالله من أول وجديد، أو إني استشعر معاني أسماء الله متل الرؤوف واللطيف وسط هالحطام اللي أنا فيه</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">في صوت جواتي عم يهمسلي كل يوم، ليش فلانة وفلانة استجاب الله دعاهن وتنورت حياتهن، وأنت بالرغم من كل التضرع والبكاء والتوسل انكسر خاطرك ووصلت للطلاق؟<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">أنا خايفة على إيماني، وتعبت من الحرقة اللي بصدري. بطلب توجهوني بتوجيه إيماني وعملي خطوة بخطوة؛ كيف أقدر أستعيد حلاوة الإيمان برحمة الله؟ وكيف ألمس لطفه الخفي باللي صار معي لحتى ارجع أعيش بسلام نفسي ويقين؟</span></p>

مرحبًا بك أختنا الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن ينزل على قلبك السكينة والاطمئنان، وأن يجبر كسرك جبرًا يليق بلطفه وكرمه، وأن يعوضك عن كل لحظة ألم خيرًا وعافية، وأن يملأ صدرك انشراحًا، ويرفع قدرك في الدنيا والآخرة، ويجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وبعد...

 

فإن الشعور بالألم بعد انقضاء تجربة زواج طويلة بالطلاق، ليس دليلًا على ضعف الإيمان ولا انتكاسه، بل هو رد فعل بشري طبيعي، والمرور بمراحل الحزن والألم النفسي أَمْرٌ شَهِدَهُ حتى الأنبياء والصالحون؛ فهذا نبي الله يعقوب -عليه السلام- يبكي حتى تبيضَّ عيناه من الحزن، وهذا رسول الله تدمع عينه لوفاة ولده.

 

فلا تجمعي على نفسك ثقل مأساة الطلاق مع ثقل جلد الذات والشعور بالذنب، فالخوف الذي يعتريك على إيمانك هو في حد ذاته علامة حية على قوة هذا الإيمان.

 

لا شيء يضيع عند الله

 

من أشد ما يثقل الكاهل بعد التجارب القاسية هو الفكرة التي يهمس بها الشيطان: «كل تلك السنين راحت هدرًا!». ولكن الميزان الإلهي يختلف تمامًا عن الموازين البشرية، فلا شيء يضيع عند الله، فكل سجدة، وكل دمعة، وكل لحظة كتمت فيها غيظك وصبرت، لم تذهب سدى. لقد كُتب هذا كله في صحائف أعمالك. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].

 

تصحيح مفهوم الاستجابة

 

قد نظن أن استجابة الدعاء تعني تحقيق ما يطلبه العبد من ربه تمامًا كما هو، بالكيفية التي يريدها، وفي الوقت الذي يريده، ولكن الاستجابة الإلهية تتخذ صورًا أعمق من هذا بعلم الله ورحمته وحكمته. قال النبي: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» [رواه أحمد].

 

فقد تكون استجابة دعواتك هي في إنقاذك وإخراجك من بيئة الظلم والقهر؛ لأن الله يعلم أن استمرارك فيها كان سيهدم صحتك ونفسيتك وإيمانكِ بالكامل.

 

الطلاق قد يكون البداية لا النهاية

 

يقول الله –تعالى- في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 130]. فلاحظي كيف قرن الله -عز وجل- الفراق في هذه الحالة بالغنى؛ فالطلاق في شرع الله ليس وصمة ولا هزيمة، بل قد يكون باب خروج آمن من نفق مظلم إلى سعة الحياة.

 

كيف تستشعرين لطف الله ورأفته؟

 

إن «اللطيف» هو الذي يوصل إليك الخير من حيث لا تحتسبين، وينجيك من الشر بطرق لا تدركينها. تأملي قصة يوسف عليه السلام: أُبعِد عن أبيه، وأُلقي في الجب، وبيع كعبد، واتُّهم ظلمًا، وسُجن سنوات، فظاهر الأحداث كلها قهر وظلم. ولكن في نهاية المطاف قال يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]؛ حيث كان اللطف ينسج ثياب التمكين والحرية ليوسف وسط ظلمات الفراق والجب والسجن والظلم.

 

وأحيانًا تكون رأفة الله بنا كالجرَّاح الذي يستأصل ورمًا خبيثًا يؤلم المريض. العملية مؤلمة وشاقة؛ لكنها في الحقيقة وسيلة النجاة والشفاء. فرأفة الله بك تمثلت في أنه لم يتركك في ذلك الظلم والقهر إلى نهاية عمرك، بل أذن بنهاية تلك الحقبة لتبدئي حياة جديدة أفضل.

 

ولك في أم سلمة -رضي الله عنها- أسوة مثال، فعندما توفي زوجها -وكان من أحب الناس إليها- حزنت حزنًا شديدًا، وقالت: «مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟»؛ لكنها امتثلت لتوجيه النبي وقالت: «اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا». فماذا كانت النتيجة؟ تزوجها رسول الله، وجعلها أُمًّا للمؤمنين. لقد أخلف الله عليها بما لم يخطر لها على بال، ولطف بها من حيث لم تتوقع.

 

مواجهة المقارنات ووساوس الشيطان

 

اعلمي –أختي الفاضلة- أن الصوت الخفي الذي يوسوس لك: «ليش فلانة وفلانة استجاب الله دعاهن وأنت انكسر خاطرك؟» هو من أقدم حيل الشيطان لإثارة التسخط وزرع الفتنة بين العبد وربه ونزع الإيمان.

 

إن الحياة ليست سباقًا بين الجميع على خط واحد! فكل إنسان يُبتلى في منطقة مختلفة؛ فمن الناس من يُبتلى في صحته، ومنهم من يُبتلى في ولده، ومنهم من يُبتلى في زواجه، ومنهم من يُبتلى في رزقه. وما ترينه في ظاهر حياة الآخرين هو الجانب الجميل فقط، ولا تعلمين حجم الابتلاءات التي يحملونها في الخفاء.

 

وقد قال رسول الله: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» [رواه مسلم].

 

فعندما تأتيكِ هذه الخواطر، ذكِّري نفسكِ بأن الله أنقذك من الاستمرار في حياة تعيسة، وأعطاك نعمًا جليلة: نعمة العقل، ونعمة العمل الكريم كمعلمة، ونعمة الاستقلال، ونعمة الصحة، ونعمة التضرع واللجوء إليه.

 

خطوات عملية للتعافي

 

1- التفويض المطلق لله: عندما تدعين الله، ادعيه بالخير والعافية دون تحديد الشكل الذي يجب أن تكون عليه الاستجابة. قولي: «اللهم اختر لي ولا تخيِّرني، وارضني بقضائك، واجعل عاقبة أمري رشدًا».

 

2- التضرع باسم الله «الجبَّار»: من معاني اسم الله «الجبَّار»: الذي يجبر القلوب المنكسرة. فاقرئي عن هذا الاسم وتضرعي به: «يا جبار القلوب المنكسرة اجبر قلبي».

 

3- الانكسار بين يدي الله: خصصي ركعتين في جوف الليل، لا تطلبي فيهما شيئًا سوى الجلوس بين يدي الله، تبثين إليه حزنك، كما فعل يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. ابكي، واطلبي منه أن يفرغ على قلبكِ صبرًا وسكينة.

 

4- حسن الظن بالله: تذكَّري دائمًا قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» [متفق عليه]. فإن ظننتِ به خيرًا ورحمة وجبرًا، فستجدين ذلك واقعًا مشهودًا.

 

5- عدم استعجال التعافي: إن المرور بمراحل التعافي يتطلب وقتًا. فلا تستعجلي الشفاء الكامل، واسمحي لنفسك بالتعبير عن ألمك مع نفسك، وبين يدي الله، ومع صديقة واعية أمينة.

 

6- جددي حياتك: أحدثي تغييرات ملموسة في بيتك، كتغيير ترتيب الأثاث وإضاءة الغرف. وأدخلي على بيتك ألوانًا مبهجة، ونباتات منزلية، وروائح طيبة. واجعلي صوت القرآن الكريم (خصوصًا سور البقرة ويوسف والشرح) يتردد في أرجاء البيت لينشر السكينة.

 

7- تفريغ المشاعر كتابةً: اكتبي كل مشاعرك التي بداخلك على الورق، ثم مزقيها وتخلصي منها. فهذه الطريقة تساعد العقل على تفريغ الشحنات العاطفية السلبية المحتبسة، والتخلص منها.

 

8- الصحبة الصالحة والبيئة الداعمة: لا تعزلي نفسك؛ بل تواصلي مع صديقات مقربات أو أفراد من العائلة يتسمون بالإيجابية والحكمة، وتجنبي الجلسات التي تكرر فتح جراح الماضي أو لوم الذات.

 

9- استثمار عملك التربوي: كونك معلمة نعمة عظيمة ومصدر قوة. فالعطاء يداوي الروح. فعندما تخرجين من ذاتك لتهتمي بطلابك، وتزرعي فيهم القيم الجميلة، ستشعرين بالراحة وقيمة وجودك في الحياة. وقد قال: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [رواه مسلم]. فكلما أعنتِ طالبًا، أو فرَّجتِ كربة عن غيركِ، فتح الله لقلبك منافذ النور والراحة.

 

وختامًا أختي الكريمة، إن الطلاق ليس نهاية المطاف؛ بل قد يكون بدايةً لأجمل وأهدأ فصول حياتك. لقد خرجتِ من تجربة قاسية، لم تظلمي ولم تعتدي، بل صبرت واحتسبت. وإن القلب المكسور هو أقرب القلوب إلى تنزل الرحمات والجبر الإلهي.

 

فاصبري واحتسبي، وتذكري قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5 و6]؛ حيث جاء اليسر معرَّفًا ومكررًا ليؤكد أن العسر لن يغلبه.

 

أسأل الله أن ينزل على قلبك السكينة والبرد والسلام، وأن يطفئ حرقة صدرك، ويجبر كسر قلبك، ويبدل حزنك فرحًا، وهمك فرجًا، وضيقك سعة، وأن يعوضك عن كل لحظة ظلم وقهر خيرًا مما تتوقعين وتتمنين، وأن يجعل أيامك القادمة أطيب وأزكى، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

التوبة وحسن الظن بالله

كيف أتعافى عاطفيًّا بعد الطلاق؟