كيف نتعامل مع فتنة المال والشهوات في عصر المادية؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية وإمام مسجد، أعيش في مجتمع يعجّ بفتن المال والشهوات، حيث أصبحت الدنيا في متناول اليد، وأصبحت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تعرض لنا صورًا برَّاقة للمال والسلع والمظاهر، وتغرينا بالاستهلاك والإنفاق، وتحرك فينا الشهوات، وتجعلنا نطمح إلى المزيد والمزيد، دون شعور بالشبع أو الاكتفاء، وهذا يقود إلى التعلق بالدنيا، والانشغال عن الآخرة، والتهاون في الواجبات الدينية، والبحث عن المال الحرام، والوقوع في الشبهات، والذنوب، والمعاصي، والإسراف والتبذير، والتفاخر، والتباهي، والتنافس، مما يفسد القلوب، ويهدم القيم، ويفتك بالأخلاق.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">والسؤال: كيف يمكنني كداعية أن أُواجه هذه الفتنة العظيمة، وأن أُزيل حب الدنيا من قلوب الشباب، وأذكرهم بالآخرة، وأعلمهم كيفية التعامل مع المال والشهوات، وأن أنشر ثقافة القناعة والاكتفاء، وأن أوجههم نحو الأهداف السامية، والعبادة، والطاعة، والبر، وبناء المجتمع؟ وشكرًا لكم جميعًا.</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، ونسأل الله أن يثبتك ويسدد خطاك في مواجهة هذه الفتنة العظيمة التي هي من أشد الفتن التي يواجهها المسلمون في عصرنا الحاضر، والتي هي نتيجة طبيعية للانبهار بالحضارة المادية الغربية، وتقديس المال والجاه، وإغفال الجانب الروحي والإيماني.

 

وقد حذرنا النبي ﷺ من هذه الفتنة، فقال: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا» (رواه البخاري ومسلم)، وأكد أن حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.

 

ولذا أقترح عليك أخي الكريم تلك الخطة العملية لمواجهة هذه الفتنة:

 

1. تذكير الناس بحقيقة الدنيا ومآلها: ابدأ بتذكير الناس بحقيقة الدنيا الفانية الزائلة، وأنها ليست دار قرار، بل دار ممر ومتاع، وأن المال والسلع والشهوات كلها زائلة، ولا تبقى، وأن الآخرة هي دار الخلود والبقاء والنعيم الدائم، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.

 

2. العلاج الإيماني لمرض حب الدنيا: حثهم على العلاج الإيماني، وذلك من خلال:

 

O الزهد والقناعة والرضا: تعريفهم بالزهد والقناعة والرضا، وأنها من صفات المؤمنين الصادقين، وأنها تريح القلب وتطمئن النفس، وتجلب السعادة والبركة، وأن الدنيا هي سجن المؤمن، كما قال النبي ﷺ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (رواه مسلم)، وأن العبد القنوع هو الغني الحقيقي، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

 

O التفكر في الموت والآخرة: ذكرهم بالآخرة والموت، فهو المذكر الأكبر، وهو الذي يهون الدنيا ويصغرها في أعين الناس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

 

O الصبر على الفقر والشدائد: تذكيرهم بأن الصبر على الفقر والشدائد هو من أعظم العبادات، وأن الله يبتلي من يحب، وأن الصابرين لهم أجر عظيم، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّـرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

 

3. توجيه الإنفاق إلى وجوه الخير والبر: وجه الناس نحو إنفاق أموالهم في وجوه الخير والبر، كالصدقات، والزكوات، والكفارات، وإغاثة المحتاجين، ودعم المشاريع الخيرية، والإحسان إلى الأقارب والجيران، وبيّن لهم أن هذا هو الطريق إلى البركة في المال، والزيادة في الرزق، وحسن العاقبة، وأن الإنفاق في سبيل الله هو استثمار حقيقي في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

 

4. تعزيز ثقافة البساطة والقناعة: اعمل على تعزيز ثقافة البساطة والقناعة في المجتمع، من خلال القدوة العملية، وتقديم النماذج الناجحة التي عاشت حياة بسيطة وقريرة العين، وتذكير الناس بأن السعادة لا تكمن في كثرة المال والمتاع، بل في صحة القلب، وقوة الإيمان، والرضا بما قسم الله، وحسن الظن به، وتذكر قول النبي ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (رواه البخاري ومسلم).

 

5. التحذير من مظاهر الإسراف والتبذير والتفاخر: حذر الناس من الإسراف والتبذير والتفاخر، وبيّن لهم أنها من صفات الشيطان وأتباعه، وأنها تضيع المال، وتورث الفقر، وتسبب الحسد والكراهية بين الناس، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.

 

6. تعزيز الرقابة الذاتية والمحاسبة: علم الناس كيفية محاسبة أنفسهم على إنفاقهم، وكيفية وضع ميزانية للإنفاق، وتجنب الديون غير الضـرورية، والشراء العاطفي، ومساعدتهم على وضع أهداف مالية طويلة المدى، وترشيد استهلاكهم، والبحث عن الحلال في كل شيء، والابتعاد عن الشبهات، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 

7. الإشارة إلى أهمية الصدقة والزكاة: ذكّر الناس بأهمية الصدقة والزكاة، وكيف أنها تطهر النفس، وتزكي المال، وتضاعف الأجر، وتدفع البلاء، وتجلب الرزق، وتكفر الذنوب، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

• كن قدوة حسنة في الزهد والقناعة، واظهر للآخرين أن السعادة الحقيقية ليست في المال، بل في الرضا والطمأنينة، وأنت قدوة لهم في التقشف وعدم التعلق بالدنيا.

 

• تحل بالصبر والأناة، وأنت تعلم أن تغيير هذه الثقافة المادية المتجذرة يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، ولكن بالاستمرار ستصل إلى نتائج إيجابية.

 

• استمر في الدعوة إلى الله، وتذكر أن الدنيا فانية، وأن الآخرة هي دار الخلود، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

 

وأسأل الله العظيم أن يبارك في جهودك، وأن يجعل عملك هذا سببًا في رفع التعلق بالدنيا من قلوب الناس، وأن يوجههم إلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

 

روابط ذات صلة:

في زمن المظاهر.. كيف نتحرر من سجن الماديات؟

كيف أُبلِّغ دعوةَ الحقِّ في زمن الفتن والانفتاح؟