رجل يسكن في الطابق الـ 120 في إحدى ناطحات السحاب الحديثة، وعندما يحين أذان المغرب في المدينة ويفطر سكان الطابق الأرضي، يكون هو لا يزال يرى قرص الشمس بوضوح من نافذته بسبب الارتفاع الشاهق. هل يجوز له الإفطار بتوقيت مدينته المبرمج في تطبيقات الهاتف، أم العبرة بالرؤية البصرية للفضاء أمامه ويجب عليه الانتظار حتى تغيب الشمس عن ناظريه؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، والشريعة
الإسلامية الغراء قد ربطت أحكام العبادات، كالصلاة والصيام، بعلامات كونية مرئية
ومواقيت فلكية منضبطة. ومن عظمة هذا الدين وشموله أن أحكامه تتسع وتتأقلم مع تطور
العمران البشري؛ فكما نَظَّر فقهاؤنا الأوائل لاختلاف المطالع بين ساكني السهول
وساكني قمم الجبال، ينسحب هذا التأصيل الفقهي الدقيق اليوم على سكان ناطحات السحاب
الشاهقة.
اختصارًا:
لا
يجوز لساكن الطابق الـ 120 أن يفطر بتوقيت مدينته الأرضي أو بما تظهره تطبيقات
الهاتف ما دام يرى قرص الشمس بوضوح أمام عينيه. العبرة شرعًا في حقه رؤيته البصرية
لغروب الشمس عن أفقه، لا عن أفق من هم في الطوابق السفلية، ويجب عليه الانتظار حتى
يغيب قرص الشمس تمامًا عن ناظريه وهو ما يتأخر عادة لعدة دقائق عن سكان الطابق
الأرضي. وإذا أفطر وهو يرى الشمس، فصيامه باطل وعليه القضاء.
وتفصيلاً:
أولاً:
النص الشرعي ومناط الحكم الغروب الفعلي:
علّق
الشارع الحكيم انتهاء الصوم بغروب الشمس وغياب قرصها بالكلية، لقوله تعالى: {ثُمَّ
أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]. وإقبال الليل لا يتحقق إلا
بمغيب الشمس.
وأخرج
الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول
الله ﷺ: «إِذَا
أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا،
وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، فالحديث نص صريح في أن
الإفطار معلق بـ "غروب الشمس" أي باختفائها التام عن عين الناظر إليها،
وليس بسماع أذان أو توقيت أناس آخرين غابت عنهم ولم تغب عنه.
ثانيًا:
التأصيل الفقهي في مسألة المرتفعات:
هذه
المسألة ليست جديدة من حيث الأصل، بل نص عليها فقهاء المذاهب المعتبرة قديمًا في
حق من يسكن الجبال العالية أو المنارات الشاهقة.
قال
العلامة ابن عابدين رحمه الله في حاشيته الشهيرة رد المحتار على الدر المختار: "وَمَنْ
كَانَ عَلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ كَمَنَارَةِ لَا يُفْطِرُ مَا لَمْ تَغْرُبْ
الشَّمْسُ عِنْدَهُ، وَإِنْ غَرَبَتْ لِأَهْلِ الْبَلَدِ، وَكَذَا أَهْلُ
الْجِبَالِ مَعَ أَهْلِ السَّهْلِ".
وقال
الإمام الحطاب رحمه الله في مواهب الجليل شرح مختصر خليل: "إذَا غَابَتْ
الشَّمْسُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَرَآهَا مَنْ عَلَى جَبَلٍ لَمْ يُفْطِرْ...
لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُخَاطَبٌ بِمَا عِنْدَهُ".
وقال
الإمام النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب: "فَلَوْ غَابَتْ الشَّمْسُ
عَنْ بَلَدٍ، فَرَأَى الشَّمْسَ مَنْ كَانَ عَلَى جَبَلٍ قَرِيبٍ مِنْهُ... لَمْ
يَجُزْ لِأَهْلِ الْجَبَلِ الْفِطْرُ قَطْعًا".
ثالثًا:
الجانب العلمي والتطبيقي الحديث برامج الهاتف وناطحات السحاب:
الأرض
كروية، وكلما ارتفع الإنسان عن سطح البحر، اتسع أفقه المرئي وابتعد. فساكن الطابق
الـ 120 الذي يرتفع بحوالي 400 إلى 500 متر يتأخر غروب الشمس لديه علميًّا وبصريًّا
بمقدار دقيقتين إلى ثلاث دقائق مقارنة بمن يقف على الأرض.
والتقويم
المبرمج وتطبيقات الهواتف تُحسب بناءً على مستوى سطح الأرض الطبيعي أو مستوى سطح
البحر للمدينة. وهي بذلك صحيحة لمن هم على الأرض، لكنها غير دقيقة لمن هم في طبقات
الجو العليا. لذا، لا يجوز شرعًا التعويل على التطبيق وترك اليقين البصري.
بناءً
على ما سبق، أصدرت جهات الإفتاء المعاصرة كدائرة الشؤون الإسلامية بدبي بشأن ساكني
برج خليفة فتاوى رسمية بتقسيم البرج الشاهق إلى مناطق زمنية، وأوجبت على سكان
الطوابق العليا من 80 إلى 120 وما فوقها تأخير الإفطار دقيقتين أو ثلاثاً بعد
الأذان الأرضي؛ نظرًا لتباين وقت الغروب الفعلي.
القواعد
الفقهية الحاكمة في وقت الصلاة والإفطار لمن يسكنون في المباني الشاهقة:
"اليَقِينُ
لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ": رؤية ساكن الطابق 120 لقرص الشمس يقين
بوجود النهار، فلا يزول هذا اليقين بالاعتماد على أذان أو تطبيق هاتف بُني على
حساب لموقعه وهو هنا في حكم الشك بالنسبة لارتفاعه.
"كُلُّ
مَنْ فِي مَكَانٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ المَكَانِ": العبرة في العبادات المتعلقة بالمواقيت هي بالمكان الفعلي الذي يتواجد فيه المكلف
لحظة العبادة، ارتفاعًا وانخفاضًا، قربًا وبعدًا.
"المُعَلَّقُ
بِشَرْطٍ يَجِبُ ثُبُوتُهُ بِثُبُوتِ الشَّرْطِ" الإفطار معلق
بشرط مغيب الشمس، فلا يثبت حل الإفطار إلا بثبوت وتحقق هذا الشرط للناظر.
"الحُكْمُ
يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا": علة الصوم هي
بقاء النهار المرتبط بالشمس، فما دامت الشمس موجودة فالصوم واجب، وإذا غابت انقضى
الحكم. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: