عائلة ريفية قررت تسجيل كامل الأراضي الزراعية التي يمتلكونها باسم الأبناء الذكور فقط في حياة الأب (كهبة)، لحرمان البنات من الميراث مستقبلاً بحجة أن "أرض العائلة يجب ألا تذهب للأغراب" (أزواج البنات). ما التكييف الفقهي لهذه الهبة الجائرة التي تستغل الأعراف الريفية للتحايل على أنصبة الميراث الشرعية؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن
الله سبحانه وتعالى قد تولى قسمة المواريث بنفسه، ولم يَكِلْها إلى مَلَكٍ مقرَّب
ولا إلى نبيٍّ مرسل، وجعل ذلك من حدوده التي توعد من يتعداها بالعذاب المهين. وإن
ما تفشى في بعض المجتمعات الريفية من حرمان الإناث من حقهن الشرعي في الميراث بحجة
الحفاظ على "أرض العائلة" من الانتقال إلى "الأغراب" يقصدون
عائلة الزوج، هو انتكاسة إلى عادات الجاهلية الأولى التي حاربها الإسلام، وإن
استغلال عقود التبرعات، كالهبة في حال الحياة، لتحقيق هذا الغرض الفاسد يُعد من
أخطر أنواع التحايل على شرع الله وتعديًا سافرًا على حدوده.
اختصارًا:
هذا
التصرف كتابة الأراضي للذكور وحرمان الإناث محرم شرعًا، ويُعد من كبائر الذنوب،
والتكييف الفقهي له أنه "حيلة محرمة" و"هبة جائرة"؛ لأنه يجمع
بين مخالفتين عظيمتين:
الأولى: الجور في العطية وعدم العدل بين الأبناء.
والثانية: القصد السيئ بالتحايل لإبطال فرائض الله في الميراث.
والعذر
المذكور "منع ذهاب الأرض للأغراب" هو "عُرف فاسد" مصادم لقطعي
القرآن الكريم فلا قيمة له، ويجب على الأب الرجوع في هذه الهبة ونقضها، فإن مات
قبل ذلك وجب على الإخوة الذكور شرعًا ودينًا رد الأنصبة لأخواتهم.
وتفصيلاً:
أولاً:
الجور في العطية بين الأبناء التمييز بين الذكور والإناث:
أوجب
الإسلام العدل بين الأبناء في العطية حال الحياة، وحرّم تفضيل بعضهم على بعض دون
مسوّغ شرعي معتبر كالمرض أو الفقر المدقع لأحدهم.
في
الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال:
إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال ﷺ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟، قال: لا،
فقال ﷺ: فَارْجِعْهُ، وفي رواية قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ
أَوْلَادِكُمْ، وفي رواية أخرى: أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، فَإِنِّي لا
أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ.
قال
الإمام ابن قدامة "يجب على الإنسان أن يعدل بين أولاده في العطية... فإن خصّ
بعضهم لمعنى يقتضي التخصيص... جاز، وإن خصهم لغير ذلك، أو فاضل بينهم، أثم، ووجبت
عليه التسوية؛ إما برد الفضل، وإما بإتمام النصيب... لقوله عليه السلام: (فإني لا
أشهد على جور)، سمّاه جورًا، والجور حرام".
ثانيًا:
التحايل على أحكام الميراث بقصد حرمان الوارث:
إذا
اقترن التفضيل بنية حرمان البنات من الميراث، ضُوعف الإثم، وصار الفعل تحايلاً على
تشريع الله، قال تعالى بعد تفصيل آيات المواريث في سورة النساء: {تِلْكَ حُدُودُ
اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا
فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13-14].
وقال
الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "فإن كان المقصود بذلك حرمان بعض الورثة
-كما يفعله بعض الناس من الوقف على الذكور دون الإناث، أو يهب لبعض ورثته - فهذا
محرم بلا ريب".
وقال
الإمام ابن القيم محذرًا من الحيل: "الحيل المحرمة: وهي التي يقصد بها إسقاط
حق، أو إباحة محرم... فإن الله سبحانه وتعالى عالم بالسرائر والضمائر، ولا تخفى
عليه خافية، فمن قصد إبطال ما شرعه الله، أو تشريع ما أبطله، بحيلة من الحيل، كان
مخادعًا لله".
ثالثًا:
تفنيد حجة عدم ذهاب الأرض للأغراب
هذه
الحجة من رواسب الجاهلية، فالإسلام أقر للمرأة ذمتها المالية المستقلة، وجعل لها
حق التملك والتصرف.
قال
الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ
نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ...}: "كان أهل
الجاهلية لا يورثون إلا من طاعن بالرماح، وحاذى بالمنكب... فأنزل الله تعالى هذه
الآية، فبيّن أن لكل واحد من المواريث حقًّا... فأبطل بذلك ما كان في
الجاهلية". والعرف الجاهلي كان يمنع النساء لأنهن لا يحاربن ولا يحمين الديار
كحجة الأغراب اليوم، فأبطل القرآن ذلك قطعيًّا.
رابعًا:
الأدلة العلمية والاجتماعية على فساد هذا التصرف
اقتصاديًّا
واجتماعيًّا: أثبتت الدراسات أن حرمان النساء من ملكية الأراضي
يؤدي إلى إضعاف الاستقلالية الاقتصادية للمرأة، ويزيد من معدلات الفقر النسوي، كما
أن التمكين الاقتصادي للمرأة بحصولها على أصول رأسمالية كالأرض ينعكس مباشرة على
تحسين صحة وتعليم أطفالها.
نفسيًّا
وأسريًّا: هذا الفعل يزرع بذور الحقد والكراهية بين الإخوة، ويؤدي حتمًا إلى قطيعة الرحم،
حيث تشعر البنات بالظلم والقهر من آبائهن وإخوانهن، مما يفكك النسيج الاجتماعي
للأسرة.
القواعد
الفقهية الحاكمة في نقل ملكية الأصول إلى الذكور لحرمان الإناث:
الأمور
بمقاصدها: وتفرع منها قاعدة من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فالأب هنا قصد
قصدًا فاسدًا وهو حرمان البنات، فتصرفه يُرد عليه ولا ينفذ ديانةً.
التحايل
على أحكام الشرع باطل: فالعبرة في العقود بالمعاني والمقاصد لا
بالألفاظ والمباني، ولفظ "الهبة" هنا أُفرغ من معناه ليُستخدم كأداة
لقطع الميراث، فهو عقد صوري باطل.
لا
عبرة بالعرف المصادم للنص: فمهما تعارف أهل الريف على هذا الصنيع،
فهو "عرف فاسد" يُضرب به عرض الحائط، لأنه يصادم نصوص المواريث القرآنية
القطعية.
لا
ضرر ولا ضرار: وحرمان البنات هو قمة الإضرار بهن. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كتابة التركة للبنات خوفًا من ميراث أعمامهم!
حكم تفضيل الابن على أخواته لعمله في مهنة والده
هل يجوز للأب تقسيم ميراثه على أبنائه قبل الوفاة؟