رجل أعمال لديه تجارة إلكترونية متشعبة بأكثر من عملة رقمية ونقدية متقلبة، ويعتمد كلياً على "خوارزميات الذكاء الاصطناعي" وبرامج الإحصاء لتحديد بلوغ أمواله للنصاب وحساب زكاته بالهللة كل ثانية. إذا أخطأت الخوارزمية في الحساب وأخرج زكاة أقل من الواجب لسنوات، هل يُعذر بجهله واعتماده على الآلة، أم يضمن الفارق بأثر رجعي؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، هذه النازلة من النوازل المعاصرة الدقيقة، حيث تتقاطع فيها وسائل العصر الحديث كالتجارة الإلكترونية، والعملات الرقمية شديدة التقلب، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، مع فريضة من أركان الإسلام ومبانيه العظام وهي "الزكاة". وإن سعي المسلم لضبط زكاته بالتقنية الحديثة أمر محمود يُؤجر عليه، إلا أن الآلة تظل وسيلة لا تُسقط التكليف عن صاحبها، ولا تبرأ ذمته إلا بإيصال الحقوق الشرعية كاملة إلى مستحقيها.
اختصارًا:
يُعذر التاجر من حيث "الإثم الشرعي" لعدم تعمده الخصم من الزكاة، ويؤجر للاجتهاد الحاصل منه باستخدام تقنيات متطورة، فلا يلحقه إثم مانع الزكاة ولا المُقصّر. ولكن لا يُعذر في الشق المالي، ويجب عليه أداء الفارق بأثر رجعي. وخطأ الحواسيب لا يُسقط حقوق الفقراء والمساكين من ذمته، وعليه أن يجتهد ويتحرى لتقدير الفارق الناقص في السنوات الماضية ويخرجه فورًا؛ لأن الزكاة دَيْنٌ في الذمة لا يسقط بالتقادم ولا بالخطأ.
وتفصيلاً:
أولا: التوصيف العلمي والشرعي لبرمجيات الذكاء الاصطناعي:
من الناحية العلمية: برمجيات الذكاء الاصطناعي وبرامج الإحصاء مهما بلغت دقتها هي نماذج مبنية على بيانات برمجية، وتظل عُرضة للخطأ والانحراف، أو التأخر في تحديث البيانات، أو الأخطاء المنطقية عند التعامل مع "الحالات المتطرفة" كالانهيارات المفاجئة للعملات الرقمية.
من الناحية الشرعية: تُخرّج الآلة فقهيًّا على أنها أداة أو وكيل أو مُحاسِب، والمُقرر في الفقه أن خطأ الوكيل في أداء الحقوق المالية يقع ضمانه على المُوَكِّل صاحب المال، لكون المكلف الأصلي بالخطاب الشرعي هو التاجر، وليس الآلة.
ثانيًا:
حساب الزكاة كل ثانية والعملات المتقلبة:
من الأخطاء المنهجية حسبما ورد في السؤال حساب الزكاة كل ثانية؛ ففي الفقه الإسلامي زكاة عروض التجارة والنقد بما فيها العملات الرقمية لا تُحسب لحظيًّا طوال العام، بل تُقَوَّم مرة واحدة فقط عند الحول نهاية السنة، وتقلبات السوق صعودًا وهبوطًا أثناء الحول لا عبرة بها ما دام أصل النصاب باقيًا.
قال
الإمام ابن قدامة رحمه الله "وجملته أن عروض التجارة تُقَوَّم إذا حال عليها
الحول... ولا يعتبر التقويم في غير آخر الحول"، لذا وجب على التاجر أن يعتمد
قيمة العملات الرقمية والنقدية في سوق التداول يوم إتمام الحول الهجري، ولا يلتفت
للتقلبات اللحظية السابقة.
ثالثًا:
التفريق بين الإثم والضمان في الخطأ:
بما
أن التاجر اعتمد على الآلة وأخطأت، فقد انتفى عنه "القصد" فانتفى الإثم،
لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا
تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، وقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ
أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رواه ابن ماجه.
ولكن
الزكاة حق مالي للفقراء، وحقوق العباد لا تسقط بالجهل والخطأ. قال الإمام النووي:
"مَنْ لَزِمَتْهُ زَكَاةٌ فَدَفَعَهَا نَاقِصَةً... لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ
مِنْ الْبَاقِي، وَيَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ بِلَا خِلَافٍ".
كما
أن الزكاة دَيْنٌ لله تعالى، والدين لا يضيع؛ لقوله ﷺ في الصحيحين: «فَدَيْنُ
اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى».
رابعًا:
معالجة الفارق بأثر رجعي بمنهج التحري والاجتهاد:
بما
أن تتبع الحسابات اللحظية لسنوات فائتة قد يكون شاقًّا أو متعذرًا خاصة في العملات
الرقمية، وبما أن الشريعة تدعو إلى اليسر، فالواجب عليه أن يستعين بمحاسبين بشريين
أو برامج مصححة لتقدير النقص بغلبة الظن، فيحسب ما يغلب على ظنه أنه يبرئ ذمته.
قال
الإمام القرافي في كتابه الفروق: "من التبس عليه مقدار ما في ذمته من حقوق
الله تعالى أو حقوق العباد... فإنه يتحرى، ويخرج ما يغلب على ظنه أنه بَرِئَ به من
ذلك الحق، فإن الشارع أقام غلبة الظن مُقام اليقين عند تعذره".
القواعد
الفقهية الحاكمة في حكم من اعتمد الحساب الآلي فأخرج زكاة ماله ناقصة:
الخَطَأُ
والنِّسْيَانُ يُسْقِطَانِ الإِثْمَ لا الضَّمَانَ: وهي قاعدة كبرى
تعني أن الجهل بنقص الزكاة يعفي التاجر من العقوبة الأخروية، لكنه يُلزمه بجبر
النقص ودفع المال.
الزَّكَاةُ
تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ: وهي تعتبر دَيْنًا قويًّا لا يسقط بتقادم
الزمان ولا يزول إلا بالأداء التام.
شَغْلُ
الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ يَقْتَضِي فَرَاغَهَا بِيَقِينٍ: بما
أنه متيقن من وجوب الزكاة في ماله الأصلي، فلا تبرأ ذمته إلا بأداء القدر الواجب
المتيقن منه كاملاً، وما دام قد عرف أن الزكاة دفعت ناقصة المقدار، فتبقى ذمته
مشغولة بالفارق.
المَيْسُورُ
لَا يَسْقُطُ بِالمَعْسُورِ / وإذا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ: وتُطبق عند صعوبة تحديد الفارق بالضبط للسنوات الماضية، فيُصار إلى التحري والحساب
التقريبي الذي يميل إلى الاحتياط لحق الفقراء، فيخرج ما تطمئن به نفسه لتبرئة
ذمته. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: