<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،، تحية طيبة وبعد،، أرفع إلى فضيلتكم هذا الاستفتاء والاستشارة راجياً من الله أن ينفع بعلمكم ويسدد خطاكم. شرح الحادثة: لقد انتشرت في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي بعض الرسوم الكرتونية والتصاميم الوعظية التي يهدف صناعها -حسب ظاهر الأمر- إلى تقديم نصيحة وتذكير للناس بسنن الله. ولكن لِلأَسَفِ الشديد، يقع هؤلاء الرسامون والمصممون في تجاوزات شرعية خطيرة تمس قدسية القرآن الكريم.</p><p> وعلى سبيل المثال لا الحصر: انتشرت صورة تظهر رجلاً وامرأة في مكتب يتحدثان عن تركهما للصلاة والحجاب وتيسير أمورهما الدنيوية، وفي أسفل المشهد (تحت المكتب مباشرة وتحت أقدام الشخصيات المرسومة) تم وضع لوحة تحمل آية قرآنية جليلة من سورة الأنعام لبيان مفهوم الاستدراج.</p><p> إن وضع كلام رب العالمين في أسفل الصورة وتحت أقدام الشخصيات الكرتونية -حتى وإن كانت نية المصمم الوعظ- يتنافى تماماً مع واجب إجلال كتاب الله وتعظيمه، ويعد نوعاً من الاستهانة والابتذال والظلم العظيم لآيات الله التي يجب أن تعلو ولا يُعلى عليها.</p><p> بناءً على ما تقدم، أرجو من فضيلة المفتي الإجابة على الأسئلة التالية:</p><p> 1. ما الحكم الشرعي في قيام المصممين والرسامين بوضع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في أسفل التصاميم وتحت أقدام الشخصيات المرسومة؟ وهل يشفع لهم قصد الوعظ والهداية في هذا الفعل؟</p><p> 2. ما هو واجب المسلم عند رؤية مثل هذه التصاميم التي تفتقر إلى تعظيم شعائر الله وكلامه؟ وهل يجوز تداولها وإعادة نشرها بحجة الاستفادة من المعنى؟</p><p> 3. نأمل من فضيلتكم توجيه نصيحة شرعية جامعة ومباشرة لهؤلاء الرسامين والمصممين، تبيّن لهم الضوابط الشرعية في توظيف النصوص المقدسة، وتذكرهم بأن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وأن الغاية الشريفة لا تبرر الوسيلة المهينة.</p><p> 4. دعوة وتبني حملة توعوية: نظراً لخطورة هذا الأمر وانتشاره بسبب الجهل، نرجو من دار الإفتاء المباركة تبني أو دعم حملة توعوية إلكترونية ترشد صناع المحتوى والمصممين إلى كيفية التعامل مع النصوص الشرعية في أعمالهم الفنية وتوقيرها. شاكرين لفضيلتكم حسن تعاونكم، وجعل الله ذلك في ميزان حسناتكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.</p>
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، وإن كتاب الله
تعالى لهو كلامه المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد أوجب
الشارع الحكيم صيانته وتعظيمه وإجلاله، وجعل ذلك من صميم الإيمان وتقوى القلوب، وما
ذُكر في السؤال من تساهل بعض صناع المحتوى في وضع الآيات الكريمة في مواضع مهينة،
كتصويرها تحت الأقدام في الرسوم الكرتونية، هو من الأمور التي يجب الانتباه والتنبيه
والتحذير حمايةً لجناب الوحي، وسداً لذرائع الاستهانة بشعائر الله ومقدساته.
اختصارا:
لا يجوز شرعاً
وضع الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية في التصاميم تحت أقدام الشخصيات المرسومة
أو في مواضع الابتذال والامتهان، ولا يشفع للمصمم حسن نيته وقصده الوعظ، ويجب على
المسلم عند رؤيتها إنكارها وتنبيه صانعها، ويَحرُم تداولها ونشرها لتضمنها
امتهاناً لكلام الله، ويُوصى المصممون برفع الآيات في أعلى التصاميم وإفرادها
بالتبجيل، وتُدعم بشدة الدعوة إلى تبني حملات توعوية لبيان ضوابط التعامل مع
النصوص الشرعية في التصميم الكرتونية أو غيرها.
وتفصيلا:
أولاً: حكم وضع
الآيات تحت الأقدام وأثر النية في ذلك:
يَحرمُ بإجماع
الأمة امتهان كلام الله تعالى بأي صورة من الصور، أو وضعه في موضع يوحي بالدونية
والاستخفاف، كوضعه في أسفل الصور الكرتونية فيظهر وكأنه تحت الأقدام، قال تعالى:
{ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}
[الحج: 32].
قال الإمام
النووي رحمه الله في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: "أَجْمَعَ
الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ عَلَى الإِطْلاقِ
وَتَنْزِيهِهِ وَصِيَانَتِهِ". وقال الإمام القرطبي رحمه الله في الجامع
لأحكام القرآن عند حديثه عن حُرمات القرآن: "ومِنْ حُرْمَتِهِ ألَّا يُوضَعَ
مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ حَتَّى يَكُونَ أبَداً عَالِياً لِسَائِرِ
الكُتُبِ".
أما النية
الحسنة بقصد الوعظ والإرشاد، فلا تُبَرِّرُ هذا الفعل الباطل؛ لأن التقرب إلى الله
لا يكون بما يغضبه من امتهان آياته، والقربة إذا خالطها امتهان للوحي بطلت.
ثانياً: واجب
المسلم حيال هذه التصاميم وحكم تداولها:
يتمثل واجب
المسلم في إنكار هذا المنكر بالأسلوب الحسن، ومراسلة المصمم أو الناشر لتنبيهه على
خطئه وإخباره بحرمة فعله، لقوله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا
فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ...» رواه مسلم.
ولا يجوز إعادة
نشرها وتداولها بحجة نبل المعنى بل هو محرم شرعاً؛ لأن في نشرها إقراراً وتطبيعاً
لامتهان الآيات، وترويجاً للمنكر، والقاعدة أن الرضا بالمنكر منكر.
ثالثاً:
النصيحة الشرعية للمصممين والرسامين:
نهيب بصناع
المحتوى أن يتقوا الله في كلام الله، وأن يدركوا أن توظيف النصوص الشرعية له ضوابط
صارمة منها:
يجب أن تُكتب
الآيات في أعلى التصميم بخط واضح وجميل ومضبوط بالشكل.
أن تُفصل
تماماً عن الرسوم المبتذلة أو الكرتونية التي قد تُخل بوقارها.
أن يُعامل النص
القرآني بوصفه "الغاية" وليس مجرد "ديكور" لملء الفراغات في
أسفل اللوحات، فالقرآن يُعْلَى ولا يُعْلَى عليه.
رابعاً: دعم
حملة توعوية لضبط التصاميم الشرعية:
إن الدعوة إلى
إطلاق حملات توعوية ترشد صناع المحتوى هي دعوة مباركة ومطلوبة شرعاً، وتندرج تحت
باب النصيحة لله ولكتابه، كما في قوله ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا:
لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ
وَعَامَّتِهِمْ» رواه مسلم. وتتحمل مؤسسات الإفتاء والهيئات الدعوية مسؤولية تبني
هذه المبادرات لضبط فوضى الفضاء الإلكتروني، ووضع مواثيق شرف تراعي قدسية الوحي
وتعالج الجهل بأحكام التعامل مع القرآن الكريم.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
دَرْءُ
المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ: فمفسدة امتهان
كلام الله بوضعه تحت الأقدام أشد خطراً من مصلحة الوعظ المتحققة من التصميم، فتُدرأ
المفسدة بمنع هذا العمل وإزالته.
الغَايَاتُ المَشْرُوْعَةُ
لَا تُبَرِّرُ الوَسَائِلَ المُحَرَّمَةَ: فالنية الطيبة
والغاية النبيلة للمصمم لا تُصحح العمل إذا كانت الوسيلة تتضمن استخفافاً أو
امتهاناً لشعائر الله.
سَدُّ
الذَّرَائِعِ: يُمنع كل تصميم قد يُفضي إلى الاستهانة بآيات الله أو يمهد لتطبيع
وضعها في قوالب غير لائقة بين عوام الناس.
العِبْرَةُ فِي
الأَحْكَامِ بِالمَقَاصِدِ والمَعَانِي مَعَ اعْتِبَارِ صَلَاحِ الوسائل والمَبَانِي: فلا يُقبل المقصد الحسن إذا كان طريقه فاسداً ومنافياً لواجب التعظيم
والتوقير.
والله تعالى أعلى وأعلم