الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
339 - رقم الاستشارة : 3918
25/01/2026
السلام عليكم..
أنا أم لطفلين أصيب كلاهما بمرض السكري. عندما أُصيب ابني الأول، استقبلت الخبر بصبر واحتساب، وقلت في نفسي: هي نعمة وبركة من الله، واجتهدتُ في رعايته. لكن الصدمة الكبرى كانت في إصابة طفلي الثاني بنفس المرض. وهنا أصابني جزع شديد جدا وحزن وانكسار وألم.
لا أستطيع استيعاب الفكرة، وأجدني في صراع مع تساؤلات صعبة جدًّا على نفسي: لماذا الاثنين معًا؟ ما حكمة ربنا من تكرار هذا الألم في بيت واحد؟ وعلى كتفيِّ أُم واحدة؟ ولماذا أنا بالذات؟!
بصراحة: أشعر بـرفض تام وعدم تقبُّل لهذه القدَر المؤلم، وأصبحت أغضب من عبارات المواساة المعتادة من الناس مثل: 'أنتِ بطلة' أو 'الله اختارك لأنك قوية'. أنا لا أريد أن أكون بطلة، أنا إنسانة بسيطة أقصى أمانيها أن تكون أمًا عادية ترى أطفالها بصحة جيدة، يمارسون حياتهم دون وخز إبر أو مراقبة دائمة لنسبة السكر.
أعرف أن ما أقوله يناقض الإيمان ويغضب الله، لكن فعلا قلبي يشتعل نارا.
كيف أتخطى هذا الشعور؟ وكيف أستعيد توازني النفسي والإيماني دون أن أشعر أنني مجبرة على ارتداء قناع القوة وأنا أنزف من الداخل؟
مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكر لك ثقتك بنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك برباط الصبر والسكينة، وأن يمنَّ على طفليك بالعافية، وأن يجعل تعبك معهما في ميزان حسناتك رفعةً وذكرًا، وبعد...
فيا أختي العزيزة، إن الكلمات قد تبدو باردة أمام النيران التي تنهش صدر الأم حين يمسُّ الضر أطفالها، لكننا هنا لا نلقي عليك مواعظ من برج عاجي، بل نقف معك في خندق واحد، نستشعر حرارة دموعك ونقدِّر عظيم بلائك.
وأريد أن أطمئنك أولًا: إن الحزن ليس كفرًا، والدمع ليس اعتراضًا. فلقد بكي الأنبياء قبلك حتى ابيضت أعينهم من الحزن، فهذا نبي الله يعقوب -عليه السلام- حين فقد ابنيه (يوسف وأخاه) حكى الله حاله فقال: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].
لقد كان يعقوب نبيًّا، ومع ذلك غلبه الطبع البشري، فبكى حتى فقد بصره. لذا، لا تجلدي ذاتك لأنك تتألمين. ولكن ما ينبغي أن تنتبهي إليه جيدًا هو الفرق الجوهري بين تألُّم القلب وبكاء العين، وبين جزع النفس وتسخط اللسان ورفض العقل لحكم الله.
ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة والقدوة، لما مات ابنه إبراهيم قال: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» [متفق عليه].
لماذا الاثنان؟ ولماذا أنت بالذات؟
هذا السؤال هو فخ ينصبه الشيطان للإنسان ليقطعه عن الرضا. والحقيقة التي قد تغيب عن عينك هي أن الابتلاء ليس بالضرورة عقوبة؛ بل قد يكون اجتباء واصطفاء. وتكرار البلاء قد يكون لرفع الدرجات. والنبي ﷺ يقول: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه» [رواه الترمذي].
فربما كان هذا الابتلاء؛ لأن الله يعلم أنك الأم الأكفأ التي تستطيع إدارة مرض ولديها بوعي وحب، فجعل هذه الأمانة في يدك أنت لا في يد غيرك ممن قد يضيعها.
قناع «البطولة» وعناء التظاهر
أختي الكريمة، أحييك على صراحتك في رفض عبارة «أنتِ بطلة». من حقك تمامًا ألا تكوني بطلة، ومن حقك أن تكوني «أُمًّا بسيطة» تبكي وتتعب وتضعف. ولست مجبرة أبدًا على ارتداء قناع القوة والتظاهر بها. إن الله -عز وجل- لا يريد منك أن تكوني «المرأة الخارقة»، بل يريدك أن تكوني «الأَمَة المفتقرة إليه».
فاعتذري بلطف ممن يلقي عليك وصف البطولة، وقولي لهم: «أنا أَمَة ضعيفة، أستمد قوتي من ربي، فادعوا لي بالثبات، ولا تمدحوني».
بماذا سيفيدك الجزع؟
حين يداهمنا البلاء، يخيَّل إلينا أن الصراخ النفسي أو الرفض القلبي (الجَزَع) هو وسيلة للتعبير عن حجم الألم؛ لكن لو تأملتِ بعين العقل والبصيرة، لوجدتِ أن الجزع هو عدوٌّ ثانٍ ينضم إلى المرض لينهش في قواك.
إنَّ قاعدة التعامل مع القدر تقوم على حقيقة بسيطة: أن المقدورُ كائنٌ لا محالة. فمرض السكري قد نزل بساحة طفليك بأمر الله، وجزعك لن يرفع المرض، ولن يغير نسبة السكر في دمهما، ولن يعيد الزمن إلى الوراء.
ولو قارنَّا بين حال الصابرة وحال الجازعة في واقعنا، فسنجد الآتي:
من جهة الحال في الدنيا، فإن الصابرة الراضية تنعم بطمأنينة القلب، وتملك صفاء الذهن لرعاية أطفالها بهدوء، أما الجازعة فتعيش في تشتت ذهني واستنزاف عصبي وضيق صدر، مما يعطل قدرتها على الرعاية السليمة ويزيد من توتر الأطفال أنفسهم.
أما من جهة الجزاء عند الله في الآخرة، فالصابرة يُكتب لها أجر الصابرين بغير حساب، وتُوفَّى أجرها كاملًا. بينما الجازعة تحرم نفسها من هذا الثواب العظيم، ويُخشى عليها من الإثم، ومع ذلك يمر عليها البلاء وتتحمل آلامه رغمًا عنها دون أجر.
وفي النتيجة النهائية، نجد أن الصبر يعني «بلاءً واقعًا، وأجرًا حاصلًا، ورضًا مريحًا»، بينما الجزع يعني «بلاءً واقعًا، وأجرًا ضائعًا، سخطًا متعبًا».
يقول النبي ﷺ مبينًا أن الجزع لا يغير من قدر الله شيئًا، بل يحرم العبد من عطايا الرب: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» [رواه الترمذي].
فيا أختي الكريمة، إن الجزع لصٌّ يسرق منك لحظات الاستمتاع بطفليك وهما بين يديك، ويسرق منك ثوابًا ذخرته لك السماء. فكوني كالمؤمن اللبيب الذي قال فيه النبي ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاك لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ» [رواه مسلم].
كيف تستعيدين توازنك النفسي والإيماني؟
1- الإيمان بالقدر:
اعلمي -أختي الفاضلة- أن السكري لم يكن ليخطئ ولديك، وأن الله كتب هذا عليك وعليهما قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في الحديث الصحيح. واعلمي أن الإيمان بالقدر -خيره وشره- هو من أركان الإيمان الذي لا يكمل إيمانك إلا به. والأدلة على ذلك من القرآن الكريم والسنة الشريفة أكثر من أن تحصى، ويضيق المقام عن ذِكرها.
2- رؤية لطف الله في البلاء:
رغم أن السكري مرض مزمن، لكن يمكن إدارته والتعايش معه، والأدوية التي تساعد على التعايش معه وتجنب مضاعفاته متوفرة ولله الحمد، وبها يمكن أن يحيا المصاب به حياة طبيعية. فلست -والحمد لله- مثل من تقضي ليلها مع ابنها في غرف العناية المركزة لمرضى السرطان، أو تصاحبه في جلسات العلاج الكيماوي، أو غسيل الكلى. أسأل الله الشفاء لجميع المرضى.
3- النظر لمن هم أشد ابتلاء منك:
إن من أعظم الأدوية النبوية لتهدئة رَوع النفس المكروبة، هو تطبيق القاعدة التي أرشدنا إليها النبي ﷺ حين قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» [رواه مسلم].
فحين تضيق بك الدنيا بسبب وخزة إبرة في ذراعي ولديك، أو مراقبة مستوى سكرهما، خذي نفسًا عميقًا وتأملي في جنبات البيوت الأخرى التي لا تئنُّ فقط، بل تصرخ صمتًا: هناك أمٌّ رُزقت بطفل مصاب بشلل دماغي كامل، لا يحرك طرفًا، ولا يدرك من حوله، تقضي عمره كله، ليلها ونهارها، في حمله، وتقليبه، وإطعامه بيديها، وتنظيفه، وهي تعلم أنه قد لا ينطق كلمة «أمي» طوال حياته! وهناك أمٌّ رُزقت بطفل مصاب بتشوهات خلقية تجعل خروجه للناس رحلة من التنمر والألم النفسي الذي لا تداويه الإبر! وهناك من رُزقت بأطفال يعانون من إعاقات ذهنية حادة، حيث يمثل الحفاظ على سلامة من حولهم؛ بل وسلامتهم الشخصية من إيذاء أنفسهم جهدًا يستنزف الروح قبل الجسد.
تأملي الفرق: أطفالك -بفضل الله- يمشون، ويتحدثون، ويدرسون، ويضحكون، ويمارسون حياتهم بوعي كامل. كل ما يحتاجونه هو تنظيم لنمط الحياة. بينما غيرك يتمنى لو أنَّ بلاء ابنه كان مجرد «سكري» مقابل أن يراه يمشي على قدميه أو ينظر إليه بعينين مدركتين!
جربي أن تسألي نفسك حين يأتيك رزق ما أو فرح بأي حدث: «لماذا أنا؟»، ستجدين أننا نقبل العطاء كحق مكتسب، ونستغرب البلاء كأنه غريب عنا! بينما الدنيا دار ممر وكبَد، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كبَدٍ﴾ [البلد: 4].
يُحكى أن رجلًا كان يشتكي من ضيق حذائه وألم قدميه، وظل يتذمر من حظه في الحياة، حتى مرَّ برجُل مقطوع القدمين يزحف على الأرض وهو يبتسم، فاستحيا من ربه، وعلم أنَّ ضيق الحذاء هو رفاهية يتمناها ذاك المحروم من القدمين!
إنَّ استحضار هذه الصور ليس لتخدير المشاعر؛ بل من باب توعية النفس وتبصرتها وتوطينها على الرضا، لتعلمي أنَّ الله الذي ابتلاك قد لطف بك جدًّا حين جعل بلاءك في أمرٍ يمكن إدارته والتعايش معه، ولم يجعله في عجزٍ كُليٍّ يهدُّ الكاهل ويكدِّر العيش.
4- الاستعانة بالله (لُبُّ العبودية):
ربنا -عز وجل- يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. فاطرحي ضعفك ببابه. اذهبي إلى مصلَّاك في جوف الليل، حين يسكن الكون، ناجي ربكِ بصدق. قولي له: يا رب، «أنا ضعيفة ولا حول لي ولا قوة، قلبي يشتعل نارًا على ولديَّ، فأنزل عليه بَرَد اليقين». اشكي له ولا تخجلي، فسيدنا يعقوب -عليه السلام- قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
اسأليه -سبحانه- التثبيت، وادعيه أن يرزقك الرضا، وأن يعينك على رعاية أبنائك دون كلل، وأن يمنحك القوة الجسدية والنفسية لتقومي بأمانتهم.
ولا تنسي الدعاء لولديك، واسألي الله لهما الشفاء، والعون على مرضهما، وأن يشرح صدريهما، وأن يجعل العافية تسري في عروقهما.
5- التركيز على اليوم:
لا تفكري في مستقبل طفليك بعد عشرين سنة، فالمستقبل بيد الله. عيشي يومك معهما فقط، فتقزيم المشكلة زمنيًا يسهِّل حملها.
وختامًا -أختي الفاضلة- اعلمي أن وخز الإبَر الذي يؤلم قلبك قبل جلود طفليك هو عند الله رفعة، وكل قطرة دم تخرج منهما هي طهور لكم.
إنَّ الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وما دام قد اختارك لهذه الأمانة، فهو يعلم يقينًا أنَّ فيك من الصبر والقوة ما يجعلك قادرة على تحمل هذا البلاء، حتى وإن كنت لا ترين ذلك في نفسك الآن. اجعلي من حمدك لله على صحة عقولهم وأبدانهم جدارًا يحميك من اليأس بسبب مرضهم المتحمَّل.
إنَّ هذا البلاء الذي تشعرين أنه أثقل كاهلك، هو ذاته السُّلَّم الذي سيصعد بك إلى منازل الصديقين إن ركلتِ الجزع جانبًا، واستمسكتِ بحبل الرضا.
وتذكَّري دائمًا أن طفليك يستمدان قوتهما وهدوءهما منك، فإذا رأيا فيكِ الرضا، هان عليهما كل شيء يتعرضان له بسبب مرضهما.
أسأل الله الحي القيوم الذي كشف الضُّر عن أيوب، وربط على قلب أُمِّ موسى، وأعاد ليعقوب بصره برحمته؛ أن يربط على قلبكِ برباط الصبر والسكينة، وأن يُفرغ عليكِ صبراً يغسل مواجعكِ، ويُطفئ لواعجكِ.
كما أسأله -تعالى- أن يشفي ولديك شفاءً لا يغادر سقمًا، ويجعل مرضهما رفعةً في درجاتك ودرجاتهما، وأن يحفظهما بحفظه، ويكلأهما برعايته، ويجعل أوجاعهما بردًا وسلامًا على قلبيهما. كما أسأله -سبحانه- أن يُرضيكِ بقضائه، ويُبدل حزنكِ رِضًا، وضيقك سعة، ويجزي صبرك وتعبك معهما جنةً ونعيمًا لا ينفد، إنه سميع مجيب الدعاء.
روابط ذات صلة:
الابتلاء.. فوائده ومجالاته والتعامل معه
لماذا يبتلي الله العباد؟ أهم 10 أسباب للابتلاء
3 خطوات لتحقيق الصبر على البلاء
كيف يربي الله عباده بالابتلاء في الدنيا؟