الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
337 - رقم الاستشارة : 3667
24/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا أم وزوجي متوفى، وعندي ابن ١٧ سنة، أكبر إخوته ومالوش غير بنات. ما شاء الله جسمه جسم شاب، طويل وبلحية وشارب، لكن في تصرفاته ومسؤوليته كأنه أصغر من سنه بكتير. أي مشكلة تخصه في الدراسة أو غيرها بيصدرها ليّ، ومش شايل مسؤولية نفسه.
مالوش صحاب قريبين، مجرد قرايب ومعارف، ولو غاب محدش يسأل عنه. في البيت لو حصل أقل خلاف بيعيط وصوته يعلى، بس في حدود الأدب. طلباته المادية دايمًا أكبر من قدرتي، وأنا اللي بصرف على البيت ومفيش دخل ثابت، ومعاه أخوات بنات لسه في التعليم.
هو طيب وحنين جدًا، بس عنده تصرفات وآراء غريبة عننا. إحنا ملتزمين الحمد لله، هو كان بيصلي وبطل، عارف الحلال والحرام، بس يقول عايز يبقى ممثل، ولما أقوله ده حرام يقول هتوب قبل ما أموت.
يتناقش مع أخته في لبسها ويقول بلاش تلبس حاجات معينة، رغم إن سنها ١٦ سنة وجسمها ملفت. على تليفونه مفيش فيسبوك ولا ألعاب، بس إنستجرام وتيك توك، وبيقول مش بيحب الباقي.
في الدراسة مهمل ومش بيذاكر، ومشاكلنا دايمًا بسبب المذاكرة.
وهو صغير كان دكتور مشخصه فرط حركة ووسواس قهري بسيط، وقال نقدر نتعايش من غير علاج. هو طبيعي الحمد لله، لكن أغلب الوقت متضايق ومخنوق.
أنا نفسي يكون شاب صالح، بيصلي وبيخاف ربنا، وفي نفس الوقت عايش عصره، صحبة كويسة، وشدّه لطريق المساجد والالتزام من غير تشدد. بس أنا حاسة إني تايهة ومش عارفة أعمل إيه، خاصة إني لوحدي وبشتغل.
دليني أتصرف إزاي؟
وآسفة على الإطالة.
أختي الكريمة، أولًا أحييكِ على صدقك، وتعبك، وصبرك، وتحملك لمسؤولية كبيرة وحدك بعد وفاة الأب، وهذا في ميزان حسناتك بإذن الله. وما تصفينه ليس فشلًا تربويًّا، بل حالة أسرية ونفسية مركّبة تحتاج إلى فهم واحتواء أكثر من احتياجها إلى لوم أو قسوة.
أولًا: افهمي حالة ابنك نفسيًّا وتربويًّا:
ابنك في سن المراهقة المتأخرة، وهي مرحلة تتسم بـ: اضطراب الهوية، التناقض بين المعرفة والسلوك، الحساسية الانفعالية، والتذبذب الديني والفكري.
ومع كونِه: الابن الذكر الوحيد، والأب متوفى، والأم هي مصدر السلطة والاحتواء معًا، فهذا أيضًا يخلق داخله صراعًا نفسيًّا يُعرف في علم النفس بـ Role Confusion (ارتباك الدور)، وDelayed Emotional Maturity (تأخر النضج الانفعالي)، وليس ضعفًا في الرجولة أو خللًا أخلاقيًّا.
بكاؤه السريع، وارتفاع صوته، والهروب من المسؤولية، كلها مؤشرات على: Poor Emotional Regulation (ضعف وسوء تنظيم المشاعر)، وهو أمر شائع عند من لديهم تاريخ سابق مع فرط الحركة أو الوسواس القهري حتى وإن كان بسيطًا.
ثانيًا: التناقض الديني والفكري:
قولُه إنه يعرف الحلال والحرام، ومع ذلك يتمنى التمثيل أو يؤجل التوبة، لا يعني فسادًا، بل: فجوة بين القناعة والسلوك، وتأثير قوي للبيئة الرقمية (تيك توك، إنستجرام)، ورغبة لا واعية في لفت الانتباه والشعور بالقيمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. الهداية هنا مسار لا قرار لحظي.
ثالثًا: موقفه من أخته ولبسها
رفضه لبعض ملابس أخته ليس نفاقًا ولا تناقضًا، بل يدل على: غريزة حماية، وشعور داخلي بالمسؤولية، حتى لو لم تظهر هذه المسؤولية في الجوانب الأخرى. وهذا يمكن استثماره إيجابيًّا بدل كسره أو السخرية منه.
رابعًا: لماذا هو «مخنوق» أغلب الوقت؟
لأنه: مطالب أن يكون رجل البيت، وفي الوقت نفسه يُعامل كطفل، لا يملك أدوات الرجولة ولا مساحة التجربة، ولا حتى نموذجًا ذكوريًّا قريبًا يحتذي به. وهذا يولد Internal Pressure (ضغطًا داخليًّا مكتومًا).
خامسًا: ماذا تفعلين عمليًّا؟
١) خففي الضغط وغيّري لغة الحوار..
لذا عليك البعد عن: المقارنة، التهديد، التذكير الدائم بالصلاة بأسلوب توبيخي. واستبدلي بها: الحوار الهادئ، السؤال لا الاتهام، والاستماع قبل التوجيه. قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، وقال ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه».
٢) لا تحمليه فوق طاقته..
لا تطلبي منه أن يكون رجلًا كاملًا الآن، بل: كلفيه بمسؤوليات صغيرة واضحة، وثابري على الثناء عند أي التزام. وهذا يعزز Sense of Competence (الشعور بالكفاءة).
٣) ابحثي عن بديل للأب لا عن نسخة مثالية..
إن استطعتِ: خال، عم، معلم، إمام مسجد معتدل، أو شاب أكبر منه صالح ومتوازن. فهذا يحقق له نموذجًا ذكوريًّا إيجابيًّا، هو يحتاجه.
٤) الدين بالقدوة لا بالإجبار..
عودته للصلاة لن تكون بالقهر، بل حين يرى أثر الصلاة على الطمأنينة، وربطها بالراحة لا بالخوف فقط. قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ولم يقل: أكرههم عليها.
٥) ثم لا تُرهقي نفسك بالمال..
فعدم قدرتك على الجيم أو الكورسات ليس تقصيرًا. فهناك بدائل، مثل: رياضة في البيت، مشاركة في نشاط تطوعي، التزام بمسجد قريب بدون تحميل مادي.
رسالة لكِ كأم:
ابنك ليس ضائعًا، بل متألم وصامت. وما يحتاجه ليس أُمًّا أقوى، بل أُمًّا أهدأ، وأنتِ بالفعل تفعلين ما بوسعك، وما بعد ذلك وقبله أيضًا هو توفيق من الله عز وجل.
همسة أخيرة:
أختي الفاضلة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.. فالله تعالى لم يظلمك، بل اختار لك مهام وكلفك بها وهو يعلم سبحانه بقدرتك عليها، حتى يرفع بها درجاتك ويثقل بها ميزانك إن شاء الله تعالى.
فثابري يا أختاه، واهدئي، واحتسبي، وإن استطعتِ لاحقًا استشارة نفسية تربوية مباشرة مع أحد المختصين في الـ (CBT) فذلك سيكون دعمًا لا ضعفًا إن شاء الله.
أسأل الله تعالى أن يحفظه لكِ، ويقرّ عينكِ به هو وأخواته، ويجعل تعبك في ميزان أجرك.
روابط ذات صلة:
في بيتنا مراهق.. حكاية قلب بين الطفولة والشباب
مفاتيح مجرّبة للتعامل مع الابن المراهق
أصبح مصدر تعب للجميع.. ماذا نفعل مع ابني المراهق؟!