الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
246 - رقم الاستشارة : 3805
10/01/2026
دكتورة، أرجوكِ تساعدينا، لأننا في حيرة شديدة وخوف حقيقي على أختي الصغرى.
أثناء حفل تخرجها من الجامعة، اكتشفنا فجأة أن مشروع تخرجها كان مشتركًا مع زميل لها (ولد)، وليس مع فتاة كما كانت والدتنا تعتقد. والدتنا شخصية شديدة التشدد، وعندما علمت بالأمر فقدت السيطرة على نفسها تمامًا، وانهالت على أختي بالضرب والإهانة أمام أساتذتها وزملائها وفي مكان عام، بكلمات قاسية ومهينة لا تُنسى.
منذ ذلك اليوم، تغيّرت أختي تمامًا؛ مرّ الآن حوالي عام كامل وهي لا تتحدث مع أحد تقريبًا، خاصة والدتنا، انعزلت عن الأسرة، أصبحت شاردة الذهن أغلب الوقت، قليلة الكلام، تنظر في الفراغ، وكأنها ليست معنا. حاولنا كثيرًا احتواءها لكن دون فائدة.
عرضناها على أكثر من طبيب نفسي، وأخبرونا أنها تعرّضت لصدمة نفسية شديدة، وبدأنا بالفعل العلاج من خلال إدخال الدواء في الطعام لأنها ترفض تناوله، ونُصحنا بضرورة عرضها على متخصص سلوكي، لكنها ترفض تمامًا الذهاب لأي جلسات أو التعامل مع أي مختص.
نحن خائفون عليها، ولا نعرف كيف نتصرف، ولا كيف نصل إليها دون أن نؤذيها أكثر، ولا كيف نُصلح ما حدث بينها وبين والدتنا.
أرجوكِ دلّينا، ماذا نفعل؟ وكيف نُنقذها قبل أن تسوء حالتها أكثر؟
عزيزتي السائلة،
وما وصفتِه ليس أمرًا بسيطًا ولا يُتعامل معه كحدث عابر، بل هو جرح نفسي عميق ترك أثرًا ممتدًا في نفس أختك، ويحتاج وعيًا وحكمة وصبرًا طويل النفس.
دعيني أكون صادقة معكِ، وبأدبٍ واجب، ولكن لا يمكنني السكوت عنه: ما قامت به الأم لا يُسمّى تربية، بل يُصنَّف نفسيًا ضمن Psychological Trauma و Public Emotional Abuse؛ لأن الضرب والإهانة أمام الناس يكسران الإحساس بالأمان والكرامة، وهما أساس أي علاقة أمومة صحيّة.
الأم لم تعاقب خطأً، بل كسرت ذاتًا، والذات إذا انكسرت لا تعود بالكلام ولا بالأوامر، بل بالعلاج والاحتواء.
وما تعانيه الفتاة الآن يتوافق مع أعراض Acute Stress Disorder اضطراب الألم والإجهاد الحاد، الممتد إلى Trauma-Induced Withdrawal الانسحاب الناجم عن الصدمة؛ صمتها، شرودها، انسحابها الاجتماعي، ورفضها للعلاج السلوكي، كلها دلائل على Emotional Shutdown، أي إغلاق نفسي دفاعي بعد صدمة مُهينة.
وكذلك اسمحي لي أن أقول بوضوح: الدين لم يأتِ ليُهين البنات، ولم يُشرعن العنف باسم الغيرة أو الشرف. قال رسول الله ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه». وقال ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا». والضرب والإذلال العلني لا يمتّان للرفق بصلة، بل يدخلان في باب الظلم.
الأم المتشددة التي تُفرغ خوفها وغضبها في جسد ابنتها ونفسها لا تحميها، بل تدفعها نفسيًّا إلى الانكسار أو التمرّد الصامت.
والأم التي ترفض الاعتذار بحجة "أنا أمّها" لا تُربّي، بل تُراكم القطيعة. فالاعتذار هنا ليس ضعفًا، بل إصلاح واجب، وتأخيره يزيد حجم الضرر.
إذا، ماذا تفعلون الآن؟ إليكم خطوات واقعية:
1- إبعاد الأم مؤقتًا عن التدخل المباشر.. فوجود الأم دون مراجعة لسلوكها يعمّق الجرح. يجب تقليل الاحتكاك المباشر حتى لا تتكرر الصدمة.
2- لا بد من وقف العلاج الدوائي القسري فورًا.. حيث إن إدخال الدواء في الطعام دون علمها يُضعف الثقة ويزيد الإحساس بالسيطرة القهرية حين علمها أو شكها في الأمر.
3- فيجب إدخال العلاج غير المباشر أولًا.. ابدؤوا بـ Trauma-Informed Care أو الرعاية المستنيرة بالصدمات:
- شخص آمن واحد فقط تتواصل معه.
- رسائل مكتوبة بدل الحوار.
- عدم الضغط على الكلام أو المواجهة.
4- تهيئة العلاج السلوكي دون إجبار.. لأن الرفض الحالي طبيعي، ويمكن البدء بجلسات أسرية إرشادية بدون حضورها، ثم إدخالها تدريجيًّا عند شعورها بالأمان Sense of Safety.
اعتذار الأم (بصيغة صحيحة) ليس "حقك عليّ"، بل: "أنا أخطأت حين أهنتك وضربتك، وجرحتك أمام الناس، وأتحمّل مسؤوليتي، ولن يتكرر هذا أبدًا".
واعلمي يا ابنتي أنت ووالدتك أن ابنتكم لم تُخطئ خطأً يُبرّر ما حدث، لكنها دُفعت لذلك بسبب خوف وتشدد غير منضبط. وإصلاح الصدمة ممكن، لكن ليس مع الإنكار، ولا مع التبرير، ولا مع التسلّط.
* همسة أخيرة:
قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فكيف إذا كان هذا "الناس" ابنتكم؟
إن أردتم إنقاذها، فابدؤوا بإصلاح الأم قبل إصلاح البنت، وبإعادة الأمان قبل طلب الطاعة.
أسأل الله أن يجبر كسرها، ويهدي قلوبكم جميعًا، ويجعل في هذا الابتلاء وعيًا لا ندمًا.
روابط ذات صلة: