الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
243 - رقم الاستشارة : 3618
21/12/2025
أنا أم لشاب عمره خمس وعشرون سنة. ابني كان ملتزمًا في دراسته، وهادئ الطبع، ولم يكن يدخن من قبل. منذ نحو عام، وبعد أن التحق بعمل ثابت وأصبح لديه دخل خاص، فوجئت بأنه بدأ في تدخين السجائر. في البداية ظننت الأمر عابرًا، لكن التدخين أصبح عادة يومية.
أنا ووالده نشعر بقلق شديد، ليس فقط خوفًا على صحته، بل لأننا نراه سلوكًا لا نرضاه، ولا نعرف كيف نتعامل معه في هذا العمر. هل من حقنا أن نمنعه؟ وهل استخدام الشدة أو العنف معه في هذا السن عيب أو خطأ تربوي؟
زادت حيرتي بسبب اختلاف الآراء داخل الأسرة؛ أختي تقول لي: اتركيه، فهو في سن من يكون رب أسرة ومسؤولًا عن نفسه، ولن ينفع معه الكلام. بينما يرى عمه أن والده يجب أن يأخذ منه موقفًا حازمًا، حتى لا يتمادى في هذا السلوك.
أنا بين هذه الآراء المتضاربة محتارة وخائفة:
كيف أتعامل مع ابني دون أن أخسره؟
وأي رأي هو الأصوب تربويًا ونفسيًا: تركه تمامًا أم الشدة والحزم؟
أحتاج إلى توجيه واضح، يراعي عمره، ويُرضي ضميري كأم، ولا يفسد علاقتنا به.
أختي الكريمة، حيرتك مفهومة ومشاعرك طبيعية، فأنتِ أمٌّ تخاف على ابنها، لا أمٌّ متساهلة ولا متسلطة.
وأحب أن أطمئنك بدايةً: ما تمرّين به شائع في هذه المرحلة العمرية، ويحتاج إلى حكمة لا عنف، وحدود لا قطيعة.
أولًا: فهم المرحلة العمرية نفسيًا وتربويًا:
ابنك في سن الخامسة والعشرين، وهي مرحلة يسعى فيها الشاب إلى إثبات الاستقلالية، وتأكيد هويته الذاتية، خاصة بعد دخول سوق العمل وتحقيق قدر من الاستقلال المادي.
التدخين هنا -رغم رفضنا له- قد لا يكون انحرافًا أخلاقيًّا بقدر ما هو سلوك مكتسب Coping Behavior يلجأ إليه بعض الشباب تحت ضغط العمل، أو رغبة في الانتماء، أو تقليد بيئة مهنية معينة.
ثانيًا: هل العنف أو الشدة في هذا العمر عيب؟
نعم، العنف في هذه السن خطأ تربوي ونفسي جسيم، وليس فقط "عيبًا اجتماعيًّا".
العنف اللفظي أو الجسدي مع شاب -اللهم بارك- راشد، يؤدي إلى:
- Psychological Reactance (رد الفعل النفسي) وسيكون بالعناد.
- ضعف الترابط العاطفي Emotional Bonding بينه وبين والديه.
- وانتقال العلاقة من "احتواء" إلى "صراع قوة" Power Struggle.
وقد قال النبي ﷺ: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه"، فالرفق هنا ليس ضعفًا، بل أداة تربوية واعية.
ثالثًا: هل نتركه تمامًا كما تقول أختك؟
الترك الكامل أيضًا ليس حلًا تربويًّا سليمًا. نحن لا نمارس إهمالًا نفسيًّا، ولا سيطرة زائدة، بل نحتاج إلى Authoritative Parenting، وهو النمط التربوي المتوازن القائم على: الحوار.. الاحترام.. ووضع حدود أخلاقية واضحة دون فرض قهري.
قال تعالى: ﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾؛ فالحكمة هنا تعني اختيار الأسلوب المناسب للعمر والمرحلة.
رابعًا: وماذا عن رأي العم بأن الأب يأخذ موقفًا؟
الموقف مطلوب، لكنْ نوع الموقف هو الفارق. ليس موقف تهديد أو عقاب، بل موقف توجيه وقدوة.
دور الأب هنا محوري جدًّا، من خلال:
- جلسة هادئة رجل لرجل.
- الحديث عن الصحة والمسؤولية لا عن الطاعة والعقوق.
- وربط السلوك بالقيم لا بالخوف.
خامسًا: ولذلك سأقترح عليك خطة تربوية واقعية:
1. حوار غير اتهامي ..
اختيار وقت هادئ، بلا لوم ولا استجواب.
صيغة مثل: نحن قلقون عليك لأننا نحبك، لا: أنت تخطئ وتخيب أملنا.
2. التوعية لا التخويف.. والحديث يكون عن أضرار التدخين بأسلوب عقلاني، لا وعظي، وربط الصحة بالمسؤولية المستقبلية.
3. تعزيز تقدير الذات لديه.. عدم اختزال شخصيته في سلوك واحد، حتى لا يدخل في الشعور بـالوصم، وهو شعور محبط وسيئ.
4. عدم إغفال الدعاء الدائم له بالهداية وصلاح الأحوال والابتعاد عن التدخين.. فهو السلاح الأقوى للوالدين.
وأخيرًا حبيبتي، ابنك ما شاء الله أصبح اليوم رجلاً وبعض ممن في مثل عمره بالفعل مسؤولون عن أسر.. وأنتِ لستِ مطالبة بأن "تكسري" ابنك حتى يصلح، بل أن تحتويه حتى يراجع نفسه. فالقيم التي تُزرع بالحب أعمق أثرًا من تلك التي تُفرض بالخوف.
همسة أخيرة:
- أختك محقة في رفض العنف.
- والعم محق في ضرورة وجود موقف.
ولكن أنتِ الأقرب للصواب حين تبحثين عن طريق لا يخسر ابنك ولا يضيّع قيمك. حافظي على ابنك.. فالعلاقة السليمة هي الجسر الحقيقي لأي تغيير دائم للأفضل.
روابط ذات صلة:
أشك أن ابنتي مدخنة.. كيف أتصرف؟!
كيف أدعو صديقي للتوبة من التدخين؟