الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
371 - رقم الاستشارة : 2994
17/10/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت أقرأ في سورة التوبة قوله تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا…»، ولاحظت أن الله ذكر منها "الأشهر الحرم". صراحة لم أفهم تمامًا ما المقصود بها، ولا ما الذي يميزها عن بقية الشهور. فهل يمكنكم توضيح ما هي الأشهر الحرم؟ وما الحكمة من تسميتها بهذا الاسم؟ وكيف نستفيد منها دعويًّا؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بالسائل الكريم، بارك الله في حرصك على تدبّر كلام الله تعالى، فالتفكّر في آيات القرآن من أجلّ العبادات وأعظم القربات، قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
معنى الأشهر الحرم
اعلم -أيها السائل الكريم- أنّ الأشهر الحرم هي أربعة أشهر من السنة القمرية أو الهجريّة، بيّنها النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ». فالأشهر الحرم إذن هي: ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، ورجب.
الحكمة من تسميتها "حُرُمًا"
سُمّيت حُرمًا؛ لأن الله حرّم فيها القتال والاعتداء، تعظيمًا لحرمتها ومكانتها، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]، أي لا ترتكبوا فيها المعاصي ولا تتجاوزوا حدود الله، ولا تظلموا فيها عباد الله، فإن المعصية فيها أعظم إثمًا، كما أن الطاعة فيها أعظم أجرًا.
قال ابن كثير رحمه الله: "في هذه الأشهر كان القتال محرّمًا في الجاهلية، فزادها الله تعظيمًا وتحريمًا في الإسلام"، أي أقرّ الإسلام هذا النظام لما فيه من نشر الأمن وإشاعة السكينة بين الناس. ولأنّ الإسلام يقرّ من عادات العرب والجاهلية ما يحفظ الحرمات والدماء ويحرس الأخلاق والقيم، ويشجع على المروءة والنخوة.
الخصائص التي تُميِّز الأشهر الحرم
منها ما يأتي:
1. تعظيم الذنب والطاعة فيها: قال قتادة رحمه الله: "العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحرم، والظلم فيها أعظم إثمًا".
2. تحريم القتال والعدوان إلا في حال الدفاع المشروع.
3. ارتباطها بمناسك الحج والعمرة، فهي مواسم عبادة، وتهيئة روحية للتقوى والخشوع.
الحكمة الدعوية من الأشهر الحرم
ومن لطائف التشريع الإسلامي أن الله جعل هذه الأشهر مواسم للسلام والمراجعة والإصلاح، ليعيش الناس فترات من الهدوء تعيد التوازن في حياتهم الدينية والاجتماعية، وفي هذا دروس دعوية عظيمة، منها:
- الداعية يستثمر الأشهر الحرم في تجديد العهد مع الله، ويدعو الناس إلى التوبة، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
- تكون فرصة للتواصل الآمن مع الناس، فكما حُرّم القتال فيها، يُستحب نشر السلم والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
- تعليم الناس فقه الزمان، فالوقت في الإسلام عبادة، ولكل موسم عبادة تناسبه، مما يعزز الوعي الدعوي بزمن الطاعة.
- ربط الأحداث الدعوية بالسيرة النبوية، فالنبي ﷺ اغتنم هذه الأشهر في تبليغ الدعوة حين كانت العرب تكفّ عن القتال، فكان الأمان النسبي فرصة للبلاغ المبين.
نصائح ختامية عملية
أخي الكريم وإلى كل من يقرأ كلماتنا؛ أنصحك بالآتي:
- استثمر هذه الأشهر في الإكثار من الذكر والاستغفار وصيام التطوع.
- علّم أولادك وأهل بيتك والناس من حولك أن الزمان منحة إلهية، وأن تعظيم الأوقات يعين على تعظيم الله.
- اجعل من هذه المواسم فرصة لبناء السلام الاجتماعي، كما كانت في الإسلام الأول.
ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من المُعَظِّمِين لحرماته، الواعين بقيمة الزمان والمكان، العاملين بدينهم عن علم وبصيرة، وأن يوفقنا لاستثمار هذه المواسم المباركة في إصلاح قلوبنا، وتقوية صلتنا بربنا، وبثّ روح السلام والإيمان في مجتمعنا، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
الأشهر الحُرُم.. ما هي؟ وكيف نستفيد منها إيمانيًّا؟
الأشهر الحُرُم حرمة الله وحرمة المؤمن
بين ظلم النفس والتوبة في الأشهر الحُرُم