الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
555 - رقم الاستشارة : 3663
25/12/2025
الاعتناء بالصحة والحفاظ عليها أمر مهم جدا خاصة في العصر الحالي الذي أصبح الإنسان يعتمد على الطعام المصنع، والسؤال كيف حول الفكر الإسلامي قضية الاعتناء بالصحة لقضية أخلاقية؟
أخي الكريم، اهتمت الرؤية الإسلامية بالإنسان اهتمامًا كبيرًا، فالإنسان هو المستخلف في الأرض، والواجب عليه أن ينهض بتلك المهمة الاستخلافية وألا يقصر في أدائها؛ لذا كانت الصحة من المجالات التي حظيت باهتمام، وتحول الحفاظ على الصحة والعافية إلى واجبات أخلاقية ودينية يأثم المسلم إذا لم يلتزم بها.
رؤية تتجاوز البــدن
في البداية أكدت الرؤية الإسلامية أن الصحة والعافية نعمة من الله تعالى تستوجب الشكر، وتستوجب كذلك الحفاظ عليها بمنع ما يؤذي البدن ويُضعف الصحة.
والآداب النبوية حافلة بالكثير من الإرشادات والنصائح للحفاظ على الصحة، وشملت ما يتعلق بالطعام والشراب، والنوم، ونمط الحياة، والنظافة الشخصية والبيئية، وكذلك ما يتعلق بالجانب النفسي من ابتعاد عن الهم والغم والحسد والبغضاء، وكذلك ضرورة التداوي والعلاج في حال المرض؛ لأن حفظ النفس من المقاصد الخمس الكبرى للإسلام، والاهتمام بالصحة من أصول الحفاظ على النفس.
نظرت الحضارة الإسلامية للصحة نظرة شاملة، بدءًا من اعتبارها هبة ونعمة من الله تعالى، وأنها وسيلة لتحقيق العبودية لله تعالى والقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض، فهي أمانة تستوجب الحفاظ، كذلك نظرت إلى الصحة بأبعادها المتعددة كالصحة البدنية والنفسية والروحية، كما اهتمت بالطب الوقائي، وكانت قيم الإسلام كالشكر والاعتدال والوسطية والعفة والتعاون والرضا حاضرة في الجانب الصحي.
مجالات العناية بالصحة في الحضارة الإسلامية
ورؤية الحضارة الإسلامية للصحة تتجاوز حدود البدن، وما يتعلق به من أغذية وأدوية وعلاجات إلى تفهم بعمق طبيعة الإنسان المركبة، ومن مجالات العناية بالصحة في الحضارة الإسلامية:
- نمط الحياة الصحية قضية أخلاقية: كانت الفضائل التي دعت إليها الرؤية الإسلامية تغيير لنمط الحياة، ليتوافق مع الشرع، وحتى تتحقق من خلالها صحة الأبدان، فتحدثت عن تنظيم أوقات النوم، وعدم الإسراف في السهر إلا لضرورة، وكراهية السمر بعد العشاء، ونصحت بالنوم على وضوء بعدما يعرض الشخص نفسه على الخلاء، والنوم على الشق الأيمن لاعتبارات ترتبط بالصحة، وعدم الإسراف في الطعام، وعدم ملء المعدة.
- التأليف في المجالات الصحية: وهنا نجد الكثير من المؤلفات في الحضارة الإسلامية التي اعتنت بهذا الجانب، ومنها "غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب" للإسفاريني "محمد بن أحمد بن سالم السفاريني" المتوفى (1188هـ)، وهذا كتاب نفيس في بابه، وهو منظومة شعرية في أصول الفقه والآداب والسلوك الإسلامي، يجمع بين شرح الأبيات والفوائد والأحاديث النبوية، ويعتبر موسوعة في الأخلاق والآداب الإسلامية التي يحتاجها المسلم.
والمؤلفات الطبية كانت كثيرة، وغالبيتها ساهم فقهاء في تأليفها، يقول الدكتور محمد غالي وهو أحد المتخصصين في مجال الأخلاق الطبية أنه «تكاد مؤلفات الطب النبوي تُجمع على فكرة أن طبيعة الإنسان تتجاوز "الجسد" الظاهر، وأن جوهر الإنسان يتألف من مكونات أخرى، أهمها النفس والروح، وأن هذه الأبعاد المختلفة -الجسدية والنفسية والروحية- تتشابك وتتكامل لتحدد مفاهيم الحفاظ على حال الصحة، عند وجودها، واستردادها، إن فقدت، بعلاج الأمراض التي تطرأ على الجسد».
- الطب الوقائي: وهو من المجالات التي نظرت فيها الحضارة الإسلامية إلى الصحة من منظور أخلاقي، حيث رأت أن استدامة الصحة والبحث عن أسباب العافية أمر شرعي ديني وأخلاقي، وأبدعت فيه مجموعة من المؤلفات مثل كتاب "مصالح الأبدان والأنفس" لـ "أبي زيد البلخي" الملقب بالجاحظ الثاني، وكان من العلماء البارزين في الفقه والفسلفة والطب والأدب والرياضيات والجغرافيا، وكان يوصف بأنه أحد رواد الطب النفسي في الحضارة الإسلامية.
وميادين الطب الوقائي كثيرة، فمنها القواعد والإجراءات التي يجب اتخاذها في فترات الأوبئة والأمراض المعدية، فكانت سياسة االحجر الصحي والحديث النبوي: "لا یوردن ممرض على مصح".
- النظافة قضية أخلاقية: احتل مفهوم الطهارة حيزًا واسعًا في الفقه الإسلامي، فأهم عبادة في الإسلام وهي الصلاة لا تقبل إلا مع الطهارة، فالوضوء أساسي للدخول للصلاة، وبدونه تصبح الصلاة باطلة، كما لا بد من طهارة المكان، والأحاديث النبوية كثيرة في مجال الحفاظ على طهارة الجسد والبيئة، حتى إن هناك نصوصًا نبوية تلعن من يبول في الأماكن التي يستظل بها الناس، أو في المياه الجارية، وذلك حفاظًا على الصحة العامة، كما حبذت السنة المطهرة للمسلم أن يغتسل أيام الجمع والأعياد، وفي دراسة طبية أن الاستحمام الواحد يزيل عن جسم الإنسان ما يقرب من (200) مليون من الجراثيم.
روابط ذات صلة:
هل ساهم المسلمون في علم الصيدلة؟
هل للحضارة الإسلامية عطاء في علم الإدارة؟
حقوق الحيوان في الحضارة الإسلامية