التعامل مع فتور المدعو بعد الحماسة

Consultation Image

الإستشارة 27/09/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعيش همَّ الدعوة إلى الله، وأرى بعض الإخوة أو الزملاء ممن كانوا في بداية التزامهم متحمسين أشد الحماس؛ يكثرون من حضور الدروس، ويشاركون في حلقات القرآن، وينشرون الخير بين أقرانهم. لكني أفاجأ بعد مدة أنهم يفترون شيئًا فشيئًا، ويقلّ نشاطهم، وربما انقطع بعضهم عن حضور المحاضرات، أو ترك الالتزام بمظاهر الطاعة التي كان عليها.

هذا الأمر يضيق صدري جدًّا، وأحزن حين أشعر أن ما بُذل معهم قد ضاع أو تبخر. كيف أتعامل مع هؤلاء؟ وهل هذا الفتور أمر طبيعي أم علامة خطر؟ وكيف أساعد المدعو على الاستمرار والثبات؟

الإجابة 27/09/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها الأخ المبارك. لقد طرحت مسألة شديدة الواقعية في ميدان الدعوة، وهي قضية فتور المدعو بعد حماسته الأولى. وهذا أمر يعايشه كل الدعاة، بل هو سنة من سنن السير إلى الله عز وجل، يحتاج فيها الداعية إلى فقه، وصبر، وحكمة، ولذا اسمح لي بشيء من التفاصيل حول تلك المُعضلة التي تحتاج إلى وقفات ووقفات، وذلك على النّحو التالي:

 

طبيعة النفس البشرية في الإقبال والفتور

 

النفس البشرية لا تستمر على وتيرة واحدة من الحماس والاندفاع. بل من طبيعتها التذبذب بين النشاط والفتور. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا حين قال: [إن لكل عمل شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك]. فالحماس في البداية طبيعي، والفتور بعده أيضًا طبيعي، لكن المهم هو إلى أين يميل الإنسان في فترة الفتور: هل يثبت على أصل الالتزام ويستمر في الطاعات، ولو بأدنى قدر؟ أم يترك ويعرض؟

 

دور الداعية في احتواء الفتور

 

الداعية الناجح لا ييأس من فتور المدعو، بل يتعامل معه بحكمة ورفق. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ فإن ظهر من المدعو فتور أو ضعف، فدواؤه اللين، والرحمة، والرفق، لا التوبيخ واللوم القاسي.

 

خطورة الاستعجال في الأحكام

 

كثير من الدعاة إذا رأى من أخيه فتورًا، حكم عليه بسرعة بأنه انتكس أو ضاع. وهذا خطأ. فقد يكون الفتور مجرد مرحلة عابرة، يعود بعدها العبد أقوى مما كان. ومن رحمة الله أن باب التوبة مفتوح على الدوام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

 

التربية على التدرج

 

من أعظم أسباب الفتور أن المدعو يُحمَّل في البداية فوق طاقته: دروس متتابعة، واجبات كثيرة، عبادات شاقة، أحكام متشعبة.

 

وهذا مخالف لهدي النبي ﷺ؛ فقد قالت عائشة رضي الله عنها: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام) فلا بد من التدرج، وبناء المدعو خطوة خطوة، حتى يثبت ويقوى.

 

إشراك المدعو في العمل الدعوي

 

من أفضل طرق تثبيت المدعو أن يُعطى دورًا إيجابيًّا في الدعوة: يشارك في نشاط خيري، ينظم حلقة، يساعد في عمل جماعي. فالمشاركة تصنع روح الانتماء وتقلل من احتمالات الفتور. و[من دل على خير فله مثل أجر فاعله] فأعط المدعو فرصة ليكون دالًا على الخير، لا مجرد متلق.

 

التوازن بين العبادة والدنيا

 

أحيانًا يكون سبب الفتور انشغال المدعو بالدنيا أو الدراسة أو العمل، فيحتاج إلى فقه التوازن. وقد أكَّد النبي ﷺ ما قاله سلمان الفارسي لأخيه أبي الدرداء: [فإن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه] فالتوازن يحفظ للمدعو نشاطه ويمنع انهياره تحت ضغط المبالغة.

 

نصائح عملية للداعية مع المدعو الفاتر

 

1) اقترب منه أكثر بالزيارة والاتصال، ولا تتركه في عزلة.

 

2) خفف عنه التكاليف، وادعه إلى الأعمال الصغيرة الثابتة، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.

 

3) افتح له أبواب الأمل، وذكّره بسعة رحمة الله، وبأن الفتور مرحلة طبيعية يمكن تجاوزها.

 

4) اربطه بالقرآن والذكر، فهي منابع تجديد الإيمان.

 

5) ادع له بظهر الغيب، فالقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

 

وأخيرًا -أخي المبارك- لا تحزن إذا رأيت من دعوتهم يمرون بمرحلة فتور، فإن هذا من طبيعة البشر. واجعل من مهمتك أن ترافقهم في هذه المرحلة بحكمة ورحمة، وأن تمدّ لهم يد العون لا أن تحكم عليهم بالخذلان. واعلم أن الله يجزيك على صبرك وحلمك، وأن كلمة أو موقفًا منك قد تكون سببًا في عودة أحدهم إلى الله بقلب أنقى من ذي قبل.

 

وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يجري الخير على يديك، وأن يجعل دعوتك سببًا لثبات القلوب، وأن يرزقك الحكمة والصبر، وأن يثبتك ومن تحب على طريق الاستقامة حتى تلقوه وهو راضٍ عنكم.

 

روابط ذات صلة:

هل التقلب بين الطاعات والفتور دليل على ضعف الإيمان؟

فاقد للحماس والنشاط الدعوي.. فهل أستمر؟

فقدت لذة العبادة وأشعر بالفتور.. كيف أعود؟

الرابط المختصر :