الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
740 - رقم الاستشارة : 3670
26/12/2025
روح التفاهة لماذا زاد انتشارها في مجالات الحياة المختلفة وأثرت في قطاعات اجتماعية كبيرة.. فما هي روح التفاهة ولماذا انتشرت؟
أخي الكريم، واقع الإنسان المعاصر فكريًّا ومعرفيًّا وإنسانيًّا أصبح قضية تشغل مجتمعات متعددة، ويبدي مفكرون ومثقفون قلقًا بشأنه، فذلك الإنسان لم يعد بالعمق والثراء الذي كان عليه في فترات سابقة، ويدق هؤلاء أجراس إنذار من أن الكثير مما يستهلكه الإنسان المعاصر لا يغذي إلا التفاهة والضحالة، وأبدوا خشيتهم أن تحول التفاهة إلى نمط ثقافي.
التفاهة كنمط ثقافي
أخي الكريم، خطورة التفاهة أو الضحالة في تحولها إلى نمط ثقافي سائد في المجتمع يفرض قيمه وسلوكه على الجميع، ويجعل من السطحية معيارًا لقياس الأشياء، وعندها تتراجع وتتوارى الكثير من الأشياء الجيدة والنافعة في الحياة.
أخي الكريم، وحتى نعرف خطورة ذلك، من المهم تعريف مفهوم النمط الثقافي، ويُعرف بأنه "مجموعة متماسكة ومنظمة من المعتقدات والقيم والأعراف والسلوكيات والرموز التي تشترك فيها مجموعة من الناس، مما يمنحهم هوية مشتركة ويوجه تفاعلاتهم وحياتهم اليومية، ويعكس بصمة ثقافية تميزهم عن غيرهم، وتشمل هذه الأنماط جوانب فكرية وعاطفية وسلوكية تُعتبر مألوفة داخل هذا المجتمع".
هذا التعريف الشامل يعني أن النمط يتكون من: قيم ومعتقدات، وأعراف وسلوكيات، ثم هو هوية تنظم التفاعلات، وتتجلى في مظاهر الحياة اليومية، ومعنى هذا أنه يحيط بالإنسان من خارجه، ويتعمق في داخله عقلا وعاطفة ومشاعر.
أما التفاهة فهي بيئة اجتماعية مشوشة ومفرغة من الوعي، ونمط ثقافي يقوم على الإلهاء، وتشويه المعنى، ويهتم بما هو ترفيهي وسطحي، على حساب ما هو جاد وهادف، فهو "تقديم ما هو رديء بصور براقة"، وتفضيل الابتذال والانشغال بسفاسف الأمور وتعظيم الاهتمام بالترفيه.
تحول التفاهة إلى نمط ثقافي، شغل المفكر الكندي "آلان دونو" فألّف كتابًا شهيرًا أسماه "نظام التفاهة" نبّه فيه إلى أن التافهين هم الذين يسيطرون على أغلب مفاصل الدولة الحديثة، وهؤلاء هم الذين يضعون المعايير للناس، وهي معايير لا تعبر إلا عن السطحية والانحطاط والرداءة والابتذال.
والخطورة الحالية أن انحدار المجتمعات، أصبح أكثر سرعة من ذي قبل، فلم تعد الأحجار الكبيرة التي كانت تمنع من انزلاق السيارة في المنحدر موجودة مثلما كان سابقًا؛ ففي السابق كانت هناك منظومات من القيم والأعراف والشخصيات الوازنة تحول دون هذا التردي والانحدار
مظاهر التفاهة
ومن مظاهر التفاهة التي باتت سائدة في الكثير من المجتمعات:
* إهمال الشأن العام: اهتمام الفرد بالشأن العام يكاد يكون منعدمًا إلا إذا كانت له مصلحة مباشرة في الاهتمام، ومعنى هذا أن الفردية المفرطة أصبحت نمطًا سائدًا على حساب قيم الجماعة والمجتمع، وفي ظل تلك الروح الأنانية يكون الفرد أكثر اهتمامًا بتلبية رغباته الاستهلاكية والترفيهية.
* إلهاء الجماهير أصبح صناعة: هذا الإلهاء يجري عبر إغراق الوسائط الإعلامية وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، بكل ما هو تافه وسطحي، وتحول التفاهات إلى ما يسمى بـ"التريندات" وحصدها لعشرات بل لمئات الملايين من المشاهدات، مثل تصوير انكشاف ملابس ممثلة في مناسبة ما، فتجد عشرات الشخصيات والمؤسسات تناقش المسألة، وتجدها مطروحة في الصحف بكثافة، هذا الإلهاء لا شك أنه يغطي على القضايا الكبرى والحقيقية في المجتمع، وهناك إحصائية غربية تؤكد أن إلهاء وتشتيت الانتباه عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مكان العمل يكلف الشركات (650) مليار دولار سنويًّا.
سيل المعلومات والأخبار المتدفق يحوي التضليل والإلهاء الذي يصرفنا عن التفكير في القضايا الأساسية، وإذا كانت الطبيعة الإنسانية قد تستجيب للتشتت والإلهاء كما أشار قبل الفيلسوف الرياضي "بليز باسكال" في القرن السابع عشر الميلادي: إلى أن "جميع مشاكل البشرية تنبع من عدم قدرة الإنسان على الجلوس بهدوء في غرفة بمفرده".
الأدهى أن تلك الروح الترفيهية تحولت إلى نشاط لا يتوقف على مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى نوع من التجارة يجني أرباحًا هائلة، كذلك تحول الإلهاء والتفاهة إلى نوع من الإدمان، فأصبحت التفاهة محفزًا يحقق السعادة، لكن مشكلة هذا المحفز أنه "كلما زاد اعتماد المدمنين على هذه المحفزات، قلّت المتعة"، وهذا ما يفسر دخول الشخص والمجتمع في دائرة مفرغة من إنتاح التفاهة بكثافة واستهلاكها بشراهة وبدون إشباع.
روابط ذات صلة:
أولادي يقتدون بمشاهير التفاهة.. كيف أتصرف؟!!
ما العلاقة بين المادية وتردي الذوق؟