الحج أم رعاية والدي المريض؟.. المعادلة صعبة!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : تربوية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 628
  • رقم الاستشارة : 1991
18/05/2025

أنا فتاة في الثلاثين من عمري، غير متزوجة، وأعيش مع والدي المسنّ المريض. إخوتي جميعهم متزوجون ويعيشون في بيوتهم، لكنني أقيم مع أبي منذ سنوات، أرعاه وأقوم على خدمته، خاصة بعد أن بدأت صحته تتدهور مؤخرًا، وهو لا يحبذ الاستعانة بخادمة أو ممرضة.

قبل أيام، فاجأني أخي الأكبر، وهو متزوج وله أطفال، بهدية غالية على قلبي، إذ أخبرني أنه سجّل اسمي معه ومع زوجته لأداء فريضة الحج هذا العام. لم أصدق أذني من شدة الفرح، فقد كنت أحلم بهذا اليوم منذ سنين، وأشعر أن الفرصة قد لا تتكرر بسهولة.

لكنّ فرحتي بدأت تخبو شيئًا فشيئًا أمام خوفي من ترك والدي وحيدًا طيلة فترة السفر. من سيهتم به؟ من سيقدم له طعامه ودواءه ويتابع حالته؟ قلبي لا يطاوعني أن أتركه، كما أنني لا أرغب في أن أُتّهم بالتقصير أو العقوق. حاولت الحديث مع إخوتي ليقوم أحدهم برعايته خلال غيابي، لكن شعرت بعدم تحمّسهم، وكأن المسؤولية كلها يجب أن تبقى على عاتقي.

أنا الآن في حيرة كبيرة: هل أوافق وأسافر لأداء فريضة العمر، أم أعتذر وأبقى بجانب والدي؟ أخشى أن أندم إن ضاعت مني هذه الفرصة، وأخشى أكثر أن يُصاب أبي بسوء وأنا بعيدة. أرشديني، فقلبي ممزق بين البرّ والواجب الديني، وبين حلم طالما تمنّيته.

الإجابة 18/05/2025

حبيبتي الطيبة الكريمة...

 

لقد قرأت رسالتكِ بعين القلب والعقل معًا، وأشعرُ بصدق نيتك وسمو إحساسك، وحرصك على برّ والدك، وفي الوقت نفسه توقكِ لأداء فريضةٍ عظيمةٍ كتبها الله على من استطاع إليها سبيلًا.. أنت فتاة ناضجة، وأحييكِ على مشاعرك النبيلة.

 

دعيني أبدأ معكِ من النقطة الجوهرية: أداء الحج فرض عين على المستطيع، لكنه لا يُقدَّم على برّ الوالدين في حالة الضرر أو الإيذاء المحتمل. وقد قال رسول الله ﷺ عندما جاءه رجلٌ يستأذنه في الجهاد وله والدان: "ففيهما فجاهد". فجعل النبي برّ الوالدين جهادًا، وفضّله على عبادة عظيمة كالجهاد، فكيف بالحج الذي قد يتكرر وتُتاح فرصته في سنوات لاحقة بإذن الله؟

 

لكن يا غاليتي، علينا أن نُحلّل الموقف من جميع جوانبه وفقًا لما يُسمى بـ "التحليل التفاعلي للسياق الأسري" (Contextual Family Analysis).

 

أولًا: من الجانب العاطفي الأسري:

 

أنت الآن تحملين عبئًا عاطفيًّا مضاعفًا.. مشاعر الفرح بالحج، يقابلها قلق داخلي من ترك والدك. وهذا التوتر يُنتج ما يسمى بـ "الصراع القِيَمي" (Value Conflict) بين واجب ديني وواجب أسري. ومن المهم هنا أن نُوازن بين الأمرين بلا إفراط ولا تفريط.

 

ثانيًا: من الجانب الواقعي العملي:

 

إذا كان والدك يحتاج إلى رعاية يومية دقيقة، وكان إخوتك لا يُظهرون استعدادًا حقيقيًّا لتحمّل المسؤولية أثناء غيابك، فإن قرار السفر يصبح مخاطرة قد تؤدي إلى شعور لاحق بالذنب أو الندم، وهذا سيؤثر سلبًا على صفاء نيتك في الحج، وربما يُفسد عليكِ لذّة العبادة!

 

ولكن اعلمي يا أختاه، أن الله لا يُكلّف نفسًا إلا وسعها، حيث قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وقد قال الفقهاء وعلماؤنا الأفاضل في هذا: "إن من كان عنده والدٌ مريضٌ لا قائم عليه سواه، فإن خروجه للحج غير واجب، بل يؤجَّل إلى حين توفر البديل".

 

والله يعلم صدق نيتك، ويكتب لكِ أجر التمني؛ ففي الحديث: "إنما الدنيا لأربعة نفر... ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو أن لي مثل ما لفلان، لعملت فيه مثل ما يعمل، فهما في الأجر سواء".

 

وطالما لديكم إخوة آخرون، فهنا أرى أنه يُستحسن أن يُعاد توزيع الأدوار داخل الأسرة.. فكونكِ الابنة غير المتزوجة لا يعني أن تكوني وحدكِ مسؤولة عن والدكم.

 

تحدثي مع إخوتك بهدوء وحزم، واطلبي تنظيم جدول رعاية جماعية. فإن أبدوا استجابة حقيقية والتزم أحدهم بالرعاية خلال فترة سفرك، فقد يكون ذلك حلاً توفيقيًّا يحقق لكِ الحلم دون تقصير في حق والدك.. وظني أنهم سيستجيبون وسيكتب الله تعالى لك السفر للحج.

 

أما وإن أبدوا اعتراضًا أو تأففًا، وقلبك لم يطاوعك على ترك والدك لهم.. فابقي معه إلى أن يأذن الله تعالى لك مرة أخرى بالحج في ظروف أفضل.

 

واحمدي الله وقتها -يا غالية- أنك في موضع فضل لا ابتلاء؛ فخدمتك لوالدك باب من أبواب الجنة، والحج يُمكن أن يُعوض، أما رضا الوالد إن فُقد أو أُهمل فلا يُعوّض.

 

ومع ذلك، لا تجزعي، فربما أراد الله لكِ دعوة صادقة من والدك ترفعكِ إلى منزلة الحجاج، وأنتِ جالسةٌ عند قدميه.

 

* همسة أخيرة:

 

كوني مطمئنة، واستخيري الله في كل موضع، وتيقّني أن الله يرى، ويعلم، ويجزي، فاختاري القرار الذي يُرضي الله أولًا، ويُشعركِ بالسلام الداخلي، واعملي به بكل رضا واطمئنان.

 

مع خالص مودّتي ودعواتي القلبية لكِ بالقبول، والسكينة، والفرج القريب والحج.

الرابط المختصر :