الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
391 - رقم الاستشارة : 2186
25/07/2025
تطوّرت بيني وبين فتاة محترمة مشاعر متبادلة نشأت من تعامل يومي في لجان طلابية وأنشطة مشتركة، داخل الحرم الجامعي.
لم نتجاوز حدود الحديث، ولكننا صرنا ننتظر اللقاء ونشعر بالارتياح حين نتكلم معًا.
هل هذه علاقة محرمة؟ ولو كانت كذلك فكيف أُنهي هذه العلاقة بطريقة ترضي الله وتحفظ مشاعرها التي ستتأذى بالتأكيد بابتعادي عنها؟
ولدي الحبيب، مرحبًا بك، وأشكرك على رسالتك التي تُظهر خشيتك لله، وحرصك على تحري الحلال وتجنب الحرام. أسأل الله العلي القدير أن يثبتك على الحق، وأن يرزقك الهداية والتوفيق في كل أمور حياتك، وأن يجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقك الزوجة الصالحة التي تقر بها عينك حلالًا طيبًا مباركًا.
يا ولدي، إن ما تمر به من مشاعر هو جزء من فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولكن الإسلام جاء ليهذب هذه الفطرة ويوجهها الوجهة الصحيحة التي تحفظ كرامة الإنسان وطهارة المجتمع.
هل هذه علاقة محرمة؟
أيها الأخ الكريم، إن المشاعر بحد ذاتها، كالإعجاب أو الميل القلبي، لا يأثم عليها الإنسان ما لم تتطور إلى عمل محرَّم أو نية سيئة، فالقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. ولكن الخطورة تكمن في الاسترسال مع هذه المشاعر، وتغذيتها باللقاءات والأحاديث التي تتجاوز حدود الحاجة والضرورة، وتفتح بابًا للشيطان يزين من خلاله المعصية.
إن ما وصفته من «انتظار اللقاء» و«الشعور بالارتياح عند الحديث» هو في حقيقته بداية لعلاقة قد تأخذ حكم العلاقة المحرمة، أو على الأقل، هي مقدمة قوية جدًّا للوقوع في المحرم. والإسلام بسماحته وحكمته، يسد الذرائع، أي الطرق المؤدية إلى الحرام، حتى لا يقع المسلم في شباك الشيطان.
لقد أمرنا الله –تعالى- بغض البصر وحفظ الفرج، وألا نقرب كل ما قد يؤدي إلى كبيرة الزنا، يقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]. ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].
لاحظ تعبير «ولا تقربوا»، فهي لا تعني «لا تزنوا» فقط؛ بل تعني: لا تفعلوا أي شيء يقربكم من الزنا. والحديث بين الشاب والفتاة خارج إطار الحاجة الشرعية، والخلوة، والاسترسال في المشاعر، كلها من أبواب القرب من الزنا.
وقد حذّر النبي ﷺ من الخلوة بالمرأة الأجنبية، فقال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» [رواه الترمذي]. وإن كانت الخلوة بينكما ليست جسدية بالضرورة، فإن الخلوة القلبية والعاطفية التي تنشأ من هذا القرب هي أيضًا مدخل للشيطان إلى القلوب.
إن ما تشعر به الآن، وإن كان يبدو بريئًا في ظاهره، فإنه ينمو ويتطور، وقد يصل إلى مرحلة يصعب فيها التحكم، ويصبح بوابة للوقوع في المحظور. فالمشاعر التي لا تُوجه في إطار شرعي (الزواج) هي فتنة، والوقاية خير من العلاج.
كيف أنهي العلاقة بطريقة ترضي الله وتحفظ مشاعرها؟
هذا سؤالٌ يدل على نبل أخلاقك وحرصك على مرضاة ربك وحفظ كرامة الآخرين. والجمع بين الأمرين ممكنٌ بفضل الله، ولكن الأولوية دائمًا لمرضاة الله تعالى؛ لأن فيها الخير والسعادة الحقيقية لك ولها في الدنيا والآخرة.
إليك بعض الخطوات العملية التي ترضي الله وتحفظ المشاعر قدر الإمكان:
1- القرار الحاسم والتوبة الصادقة:
أولًا وقبل كل شيء، اتخذ قرارًا حاسمًا بينك وبين نفسك بإنهاء هذا التقارب، مستحضرًا نية طاعة الله تعالى وتقواه.
ثم تب إلى الله توبة صادقة من أي تقصير أو تجاوز قد يكون حدث بينكما، واستغفره، واعزم على عدم العودة إلى ما يغضبه.
2- قطع التواصل غير الضروري تدريجيًّا:
بما أن التواصل بينكما قد نشأ في لجان طلابية وأنشطة مشتركة -كما تقول- فقد تكون نصيحتي لك بالقطع المفاجئ وبتر العلاقة فورًا غير عملية؛ لذا ابدأ بتقليل التواصل تدريجيًّا وبحكمة.
اجعل تواصلك معها مقتصرًا على الضرورة القصوى المتعلقة بالعمل الطلابي، وبشكل رسمي وعام، وتجنب الأحاديث الجانبية أو الشخصية تمامًا.
إذا كان هناك تواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فقلله إلى أقصى حد ممكن، أو ألغه إذا لم يكن له داعٍ شرعي.
3- الصدق مع النفس ومع الله:
لا تخدع نفسك بأنك تستطيع التحكم في هذه المشاعر مع استمرار القرب. فالقلوب ضعيفة والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. تذكر دائمًا أن الله يراك ويعلم ما في الصدور.
4- تغيير المسار وتجنب الأماكن التي تجمعكما:
حاول قدر الإمكان أن تقلل وجودك في الأماكن التي تجمعكما بشكل مستمر، إذا كان ذلك لا يؤثر على دراستك أو واجباتك الأساسية.
إذا كان لا بد من الوجود معًا في مكان واحد، فاجعل حضورك رسميًّا ومحدودًا، وركِّز على مهامك فقط.
5- الدعاء والاستعانة بالله:
أكثر من الدعاء لنفسك ولها بالهداية والتوفيق. واطلب من الله أن يصرف عنكما السوء والفتن. ردد دائمًا: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
6- احفظ مشاعرها بـ«الابتعاد المحترم»:
لا داعي لمواجهة درامية أو شرح مطوَّل لأسبابك قد يفتح بابًا آخر للحديث والجدال الذي قد يؤدي إلى عكس مرادك.
إن أفضل طريقة لحفظ مشاعرها هي الابتعاد المحترم والتدريجي، وتقليل التواصل دون إظهار أي جفاء أو إهانة.
إذا اضطررت للحديث معها حول هذا الأمر (والأفضل تجنبه ما أمكن)، فليكن حديثًا موجزًا وواضحًا، يركز على أن هذا القرار نابع من حرصك على مرضاة الله والتزامك بحدوده، وليس تقليلًا من شأنها أو إهانة لها. يمكنك أن تقول شيئًا مثل: «أختي الفاضلة، إنني أقدر تعاوننا واحترامك، ولكنني أرى أن من واجبي الشرعي أن أحرص على حدود الله في تعاملاتي، وأخشى أن يؤدي استمرار هذا القرب إلى ما لا يرضي الله، فأتمنى أن تتفهمي ذلك».
وتجنب إعطاء أي أمل كاذب بالارتباط في المستقبل، إذا لم تكن جادًّا ومستعدًّا للزواج الشرعي الفوري. فالأمل الكاذب أشد إيذاءً.
7- وجِّه طاقتك نحو الخير:
اشغل نفسك بالدراسة، بالأنشطة الطلابية المفيدة التي لا تتضمن اختلاطًا محرمًا، بالعبادة، بقراءة القرآن، بحفظه، بطلب العلم الشرعي، بمساعدة الآخرين. وابحث عن صحبة صالحة تعينك على طاعة الله وتذكِّرك به.
8- تزوجها إن استطعت:
إذا كانت هذه الفتاة ذات دين وخلق، وكنت قادرًا ومستعدًا للزواج الآن، فالباب الشرعي مفتوح. يمكنك أن تتقدم لخطبتها من أهلها بالطرق الشرعية المعروفة. هذا هو الحل الوحيد الذي يبارك الله فيه المشاعر ويوجهها الوجهة الصحيحة. قال رسول الله ﷺ: «لم ير للمتحابين مثل النكاح» [رواه ابن ماجة].
ولكن، إذا لم تكن مستعدًّا للزواج الآن، أو لم تكن جادًّا في ذلك، فالواجب الشرعي هو الابتعاد التام والصبر حتى ييسر الله لك الزواج الحلال.
وختامًا يا ولدي، إن الله تعالى يبتلي عباده ليرفع درجاتهم ويمحص قلوبهم. وما تمر به الآن هو اختبار لإيمانك وحرصك على دينك. فاصبر واحتسب الأجر عند الله، واعلم أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
أسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يرزقك العفاف والغنى، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.