الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
127 - رقم الاستشارة : 4329
15/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية في مقتبل العمر، أشعر بتشتت كبير نتيجة الزخم المعلوماتي الهائل الذي يفرضه عصـرنا الرقمي. أجد نفسـي أقرأ في كل شيء؛ من الفلسفات المعاصرة إلى القضايا الفقهية الشائكة، لكنني أشعر بضعف في (القاعدة العلمية) الرصينة.
أخشى أن أتحول إلى (ظاهرة صوتية) تكرر ما تقرأه دون بصيرة شـرعية حقيقية. كيف أضع لنفسـي (خطة إعداد علمي) تجمع بين إتقان الأصول وفهم المتغيرات؟ وما هو (الحد الأدنى) الذي لا يسع الداعية جهله ليبلغ رسالته بأمانة وثقة؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الداعية الكريم، وثبّت الله خطاك، وأحسن أثرك، واعلم أن الدعوة في المهجر من أدقّ ساحات الدعوة وأعلاها أجرًا؛ لأنها تتعامل مع الإنسان في لحظة تشكّل الهوية لا في حالة استقرارها.
أولًا: فهم طبيعة الابتلاء في المهجر؛ فالاغتراب ليس جغرافيًا فحسب، بل نفسـي وقيميٌّ. فالمدعو يعيش بين منظومتين: منظومة نشأ عليها ويحنّ إليها، وأخرى يعيش فيها وتفرض نفسها عليه، ومن الخطأ الدعوي اختزال هذا الصِّـراع في ضعف إيمان فقط؛ بل هو امتحـان توازن، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
ثانيًا: الفرق بين الثبات والجمود؛ فالثبات هو رسوخ القيم، أما الجمود فهو تجميد الأشكال. وقد عاش النبي ﷺ في بيئات متعددة، وتعامل مع أعراف مختلفة، وقبل ما لا يخالف الوحي، وغيّر ما يصادمه، فليس من الحكمة ربط الإسلام بلباسٍ أو لغةٍ أو نمطٍ ثقافيٍّ واحد؛ بل ربطه بالمقاصد الكبرى: التوحيد، والأخلاق، والعدل، والرحمة.
ثالثًا: خطاب الهوية لا خطاب الخوف؛ كثير من شباب المهجر لا يتركون الدين كرهًا فيه، بل هروبًا من صورة متشددة قُدّمت لهم، فحين نُخاطبهم بمنطق: (إمّا أن تكون مثلنا أو أنت ضائع)، نخسـرهم، وحين نُخاطبهم بمنطق: (أنت مسلم لأنك تؤمن بالله وتسعى للخير)، نفتح لهم باب العودة الهادئة.
رابعًا: من الهدي النبوي في بناء الهوية؛ فلم يُنشئ النبي ﷺ جيل الصحابة بالعزل عن المجتمع، بل بالمشاركة الواعية فيه، مع وضوح المرجعية، قال ﷺ: (المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يُخالطهم)، وهذا أصل عظيم في فقه الدعوة في المجتمعات غير المسلمة.
خامسًا: إرشادات عملية للداعية في المهجر
* قدّم الإسلام كقيمة مضافة لا عبئًا ثقافيًّا.
* فرّق بين القطعي والمتغير في الخطاب.
* استخدم لغة البلد دون التنازل عن المعنى.
* اعترف بتحديات الشباب بدل إنكارها.
* كُن جِسْـرًا لا قاضيًا، ومرشدًا لا رقيبًا.
وفي الختام، أسأل الله أن يجعلك سبب طمأنينة لا صراع، وأن يرزقك فقه الموازنة، وحكمة الخطاب، وأن يستخدمك في تثبيت القلوب دون كسـرها، وأن يجعل دعوتك في المهجر نورًا يعبر الحدود والثقافات..
روابط ذات صلة:
الدعوة في المهجر دون الاصطدام بثقافة المجتمع
كيف أكون داعية ناجحة في المهجر دون إثارة حساسية الناس؟