الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
167 - رقم الاستشارة : 4292
09/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله.
أنا فتاة في المرحلة الجامعية، أدرس في تخصص يتطلب تركيزًا وهدوءًا نفسيًا، لكنني أعيش في صراع دائم داخل منزلي بسبب طبيعة والدي هداه الله.
والدي رجل شديد الطباع جدًا، لا يكاد يمر يوم دون أن يوجه لي نقدًا لاذعًا في كل شيء؛ في دراستي، في مظهري، وحتى في طريقة كلامي.
الأمر لا يتوقف عند العتاب الخاص، بل يتعداه إلى التقليل من شأني أمام الأقارب والضيوف، ووصفي بالفشل أو الغباء، مما يسبب لي حرجًا شديدًا ويكسر بخاطري. حاولت كثيرًا أن أتقرب إليه بالبر والإحسان، وأتجنب مواضع غضبه، لكنني بشر، وأحيانًا تضيق بي الأرض بما رحبت، فأجد نفسي أرد عليه بحدة أو بخشونة دفاعًا عن كرامتي، ثم أنخرط في بكاء مرير وندم شديد خوفًا من غضب الله.
فهل ردي عليه في لحظات الانفعال دفاعًا عن نفسي يُعد من "العقوق" الذي أُحاسب عليه؟
وكيف يمكنني أن أوفّق بين خفض جناح الذل له وبرّه، كما أمرني الله، وبين الحفاظ على كرامتي وصحتي النفسية التي بدأت تنهار؟
وهل يجوز لي شرعًا أن أعتزل الجلوس معه إلا في الضرورة، أو أقلل الاحتكاك به حمايةً لنفسي من سماع ما يؤذيني، أم أن هذا يُعتبر هجرًا وقطيعة وعقوقًا؟
وجزاكم الله خيرًا.
مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكر لك ثقتك بنا ومشاركتنا همومك، حيَّاك الله، وبارك في حرصك على بر والدك رغم ما تجدينه من مشقة، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويقر عينك بالنجاح والتوفيق في دراستك، وأن يهدي قلب والدك لك، ويجعل ما تمرين به في ميزان حسناتك ورفعة لدرجاتك، اللهم آمين، وبعد...
فإن ما تمرين به -يا ابنتي- هو اختبار شديد من اختبارات الحياة؛ حيث جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها، ويصعب عليها جدًّا احتمال الأذى ممن يُفترض أن يكون مصدر الأمان والاحتواء.
فاعلمي أن شعورك بالألم النفسي نتيجة النقد اللاذع والتقليل من الشأن هو شعور إنساني طبيعي، ولا يعني أبدًا نقصًا في إيمانك أو أخلاقك.
هل ردك في لحظات الانفعال يُعد عقوقًا؟
من المنطلق الإيماني، الله -سبحانه وتعالى- عدل رحيم، يعلم ضعف النفس البشرية وضغوطها. يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فالأصل هو وجوب التزام الأدب مع الوالد حتى في لحظات الغضب، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]. لكن، ما يصدر منك في حالات الانفجار نتيجة تراكم الضغوط، ثم يتبعه ندم وبكاء، لا يُصنف بإذن الله عقوقًا؛ بل هو زلة ناتجة عن الضعف البشري.
ومن المنظور الاجتماعي، فإن رد الفعل العنيف أحيانًا يكون وسيلة دفاع لاإرادية لحماية النفس من التهشيم. وندمك بعد ذلك دليل على صلاح قلبك.
ولذا أنصحك أن تستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، وتذكري الله، كلما شعرتِ بالغضب، وحاولي الانسحاب من المكان فورًا قبل أن تخرجي عن طورك؛ فالبعد المؤقت خير من المواجهة الجارحة.
كيف توفقين بين خفض جناح الذل وحفظ كرامتك؟
إن البر لا يعني أبدًا القبول بالإهانة وعدم الشعور بالألم بسببها؛ بل يعني الإحسان في التعامل رغم الإساءة.
تذكري يا ابنتي قول الله -تعالى- في التعامل مع الوالدين المشركَين اللذين يأمران بالشرك: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. فالمصاحبة بالمعروف واجبة مهما كانت طباع الوالد. وخفض جناح الذل هو فعل اختياري نابع من الرحمة، وليس ضعفًا ولا ذلًا مهينًا.
إن كرامتك تستمدينها من قيمتك عند الله ومن سعيك لإرضائه جل وعلا، لا من كلمات والدك في لحظات غضبه. فاعتبري نقد والدك مجرد وجهة نظر خاطئة، وليس تقييمًا حقيقيًّا لك. وعندما يتحدث بسوء، قولي في نفسك: «هذا رأيه الذي يخصه، وأنا أعرف قدري عند الله وعند نفسي».
مارسي «الصمت الجميل». لا تبرري، ولا تجادلي في لحظات غضبه وهياجه، فهذا يغذي رغبته في النقد. إن الرد المهذب بكلمة «حاضر»، أو «إن شاء الله» يقطع الطريق على الخصومة والجدال، ويحفظ لك كرامتك.
هل يجوز اعتزاله لتقليل الاحتكاك؟
هذا سؤال جوهري، والإجابة تكمن في الموازنة بين المصالح والمفاسد.
إن صلة الرحم والبر لا تستلزم الالتصاق الدائم الذي يؤدي إلى المشاحنات. فإذا كان الجلوس الطويل يؤدي حتمًا إلى سماع الأذى ثم ردك عليه بالسوء، مما يوقعك في العقوق، فإن الابتعاد النسبي المتحفظ هنا يصبح وسيلة لحماية البر وليس قطيعة.
إذن، يجوز لك تقليل الاحتكاك والاكتفاء بالقدر الذي تلبين فيه احتياجاته، وتؤدين فيه واجب السلام والاطمئنان عليه. وهذا ليس هجرًا، بل هو دفع للضرر، والقاعدة الفقهية تقول: «الضرر يُزال»، وتقول: «لا ضرر ولا ضرار».
ولكن اجعلي انسحابك ذكيًّا؛ أي انسحبي بلطف (مثلًا: سأذهب لأكمل واجبي الدراسي) وليس بغضب، أو بإغلاق الأبواب بعنف.
لا تنسي الدعاء
استعيني -يا ابنتي- بالدعاء لوالدك بظهر الغيب، فقلب الوالد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، والدعاء يغير الأقدار، والله قادر على أن يغيِّر قلب والدك تجاهك، كما غيَّر قلب أُم أبي هريرة -رضي الله عنهما- بدعاء النبي ﷺ لها بالهداية.
وختامًا يا ابنتي، أنتِ الآن في مرحلة بناء، فاجعلي تفوقك الدراسي هو ردك العملي على كل نقد، وحافظي على صحتك النفسية فهي رأسمالك. واعلمي أن صبرك على مرارة طباع والدك هو تجارة مع الله لن تبور، وغدًا حين تنجحين وتستقلين بحياتك، ستنظرين إلى هذه الأيام وتفخرين بأنك كنت الابنة الصابرة المحتسبة.
أسأل الله لك العون والتوفيق والقبول.
روابط ذات صلة:
بر الوالدة بين صعوبة المعاملة وضبط الانفعال
الإحساس بالضيق من رعاية الأم المسنة.. هل يُعدُّ عقوقًا؟
أمي ظالمة وتدعو عليَّ.. كيف أبرُّها؟
أمهات على الهامش.. حين يُقابَل الحنان بالعقوق!