بين نشوة البداية وخطر الانتكاس

الإستشارة 20/04/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أكتب إليكم وأنا في حالةٍ متقلبة لا أكاد أستقر فيها على حال؛ فمنذ أشهر قليلة منَّ الله عليّ بالهداية والالتزام بعد سنواتٍ من الغفلة والتقصير، فوجدت في الصلاة لذة، وفي القرآن سكينة، وفي صحبة الصالحين أنسًا لم أذقه من قبل.

غير أني بدأت ألاحظ أن هذا الحماس الذي ملأ قلبي في البداية بدأ يخف شيئًا فشيئًا، وصرت أعود أحيانًا إلى بعض العادات القديمة، أو أقصّر في بعض الطاعات التي كنت أواظب عليها، مما جعلني أشعر بخوفٍ شديد من أن تكون هذه مجرد "مرحلة عابرة"، أو أن أكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾.

فدلّوني –رحمكم الله– على طريقٍ عمليٍّ واضحٍ يثبتني، ويعينني على الاستمرار دون إفراطٍ يرهقني، ولا تفريطٍ يضيعني.

الإجابة 20/04/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حيّاك الله أيها المبارك، ونسأل الله أن يتمّ عليك نعمته، وأن يجعل ما أنت فيه بداية اصطفاءٍ لا نهاية تجربة.

 

إن ما تصفه ليس خللًا فيك، بل هو من سنن الطريق إلى الله؛ فإن القلوب بطبيعتها تتقلّب، وقد أخبر النبي ﷺ عن هذه الحقيقة حين قال: «إن لكل عمل شِرّة، ولكل شِرّة فترة»، فمرحلة الاندفاع الأولى ليست معيار الثبات، وإنما المعيار هو القدرة على الاستمرار بعد هدوء الموج.

 

ومن هنا ينبغي أن تنتقل من عقلية "الحماس المؤقت" إلى "المنهج المستقر"، فالدين ليس حالة شعورية عابرة، بل بناءٌ طويل الأمد، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.

 

وأول ما يعينك على الثبات أن تعيد ترتيب علاقتك بالطاعة، فلا تنظر إليها من زاوية الكثرة، بل من زاوية الديمومة، فــ «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، فاجعل لك برنامجًا تعبديًّا بسيطًا لكنه ثابت، كورد يومي من القرآن، وصلاةٍ لا تتركها مهما كانت الظروف، وأذكارٍ تحيط يومك؛ لأن القليل المستمر يبني في القلب جذورًا عميقة لا تقتلعها العواصف.

 

كما أن من أعظم أسباب التذبذب بقاء بعض الجسور مع الماضي، فالقلب إذا تعلّق ببيئتين متناقضتين تمزّق بينهما، ولهذا كان من الحكمة أن تغيّر بيئتك تدريجيًّا، وتستبدل بالصحبة التي تضعفك أخرى تعينك، فإن النبي ﷺ قال: «المرء على دين خليله»، والإنسان أضعف من أن يقاوم التيار وحده، لكنه يقوى بالجماعة.

 

وإياك أن تجعل الذنب سببًا لليأس، فإن هذا من مداخل الشيطان، بل اجعل كل زلة بابًا لمزيد من القرب، وتذكّر أن الله وصف عباده بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، ولم يقل المعصومين، فالتائبون هم الذين يسقطون ثم يقومون، ويضعفون ثم يعودون، لكنهم لا يصرّون ولا يستسلمون.

 

ولا تنسَ أن الثبات في حقيقته منحة إلهية، ولذلك كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، فاجعل لك نصيبًا من هذا الدعاء، وألحّ فيه، فإن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

 

وختامًا:

 

أوصيك ألا تجعل همّك أن تكون كاملًا؛ بل أن تكون ثابتًا، ولا تحزن إن تعثرت، بل احزن إن توقفت، واجعل طريقك إلى الله مبنيًّا على الصبر لا على الانفعال، وأسأل الله أن يثبت قلبك، وأن يزيدك هدى، وأن يجعلك من عباده الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.

 

روابط ذات صلة:

رعاية المهتدين الجدد والوقاية من الانتكاسة الدعوية

برنامج دعوي لتثبيت المهتدين الجدد على الإسلام

تثبيت الأقدام.. كيف نرعى المهتدين الجدد؟

التيسير مع المهتدين الجدد.. حدود المراعاة وضوابط التدرج

دعاء المسلمين الجدد بغير اللغة العربية

الرابط المختصر :