الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فتاوى أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
151 - رقم الاستشارة : 4422
24/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نرجو من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي في مسألة خطيرة يترتب عليها ظلم كبير، وهي: هل يُعذر المسحور في أفعاله، وهل يُرفع عنه القلم؟ توجد امرأة عُرف عنها – كما يقول من حولها – أنها تمارس السحر، وقد أثّر ذلك – بحسب الظاهر – على زوجها وعلى أخيها:
أولًا: زوجها تغيّر حاله تغيّرًا شديدًا؛ فبعد أن كان بارًّا بوالدته، واصلًا لرحمه، منفقًا على أهله، أصبح عاقًّا لوالدته، قاطعًا لرحمه، مانعًا للنفقة عن أهله، بل صار يأتمر بأمر هذه المرأة، فتوجّهه كيف تشاء، وتقول له: افعل ولا تفعل، فلا يعارضها.
ثانيًا: أخوها كان رجلًا عاقلًا، ناجحًا في تجارته، قويَّ الإدراك، حسنَ التصرف في أمواله، لكنه في المقابل أصبح شديد القسوة على زوجته وأولاده – رغم أن زوجته امرأة صالحة تقيّة، أحسنت تربية أولادها على الدين والخلق والعلم – فصار يُهينهم ويضربهم، ويحرمهم من النفقة والعلاج والتعليم، ويُضيّق عليهم حتى يعيشوا في فقر شديد، مع سعة ماله وكثرة تجاراته، بل وازدياد نجاحه واتساع رزقه. وفي المقابل، يُنفق أموالًا طائلة على إخوته وأخواته وأولادهم، ويتكفّل بغيرهم، ويُحسن إلى الغرباء.
لذلك نرجو من فضيلتكم بيان ما يلي:
1. هل يُعدّ السحر عذرًا شرعيًا يرفع الإثم عن الإنسان في تصرفاته؟
2. متى يُحكم على المسحور بأنه غير مُكلَّف ويُرفع عنه القلم؟
3. هل يُعذر من كان كامل الإدراك في بعض شؤون حياته (كالتجارة وإدارة المال)، ثم يظلم أهله بدعوى تأثره بالسحر؟
4. ما حكم ما صدر منهما من: عقوق الوالدين وقطيعة الرحم ظلم الزوجة والأولاد وحرمانهم من حقوقهم الأساسية؟
5. هل يُحاسَب الإنسان على هذه الأفعال يوم القيامة إذا ادّعى أنه مسحور؟
6. ما الضابط الشرعي للتفريق بين من زال إدراكه فعلًا بسبب السحر، وبين من بقي واعيًا لكنه يسيء التصرف؟ نرجو منكم بيان الحكم الشرعي بيانًا واضحًا، لأن هذه المسألة يترتب عليها ضياع حقوق عظيمة داخل الأسر عند سوء فهمها. جزاكم الله خيرًا.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فهذه المسألة من القضايا الشائكة التي يختلط فيها الجانب الغيبي (السحر) بالجانب الفقهي والقضائي (الحقوق والواجبات)، وتحتاج إلى تفصيل دقيق حتى لا يتخذ السحر ذريعة لهدم البيوت وضياع الحقوق.
واختصارًا: لا بد أن نفرق في الفتوى بين القضاء والديانة، أما الديانة فأمرها إلى الله تعالى والسحر من أمور الغيب التي يختلط فيها القليل من الحقائق بالكثير من الدعاوى والأكاذيب، فأمرهما ديانة موكول إلى من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، وقضاءً فهذان الرجلان (الزوج والأخ) آثمان ومكلفان ومحاسبان على كل لحظة ظلم، ولا يسقط السحر عنهما حقوق الغير، ما دامت عقولهما حاضرة في شؤون الدنيا وتجاراتها.
السحر ـ في الجزء المعلوم منه ـ قد يكون سببًا في "تغير المشاعر"، لكنه ليس مسوغًا لـ "ارتكاب المظالم". وعلى الزوجة والأهل المتضررين رفع أمرهم للقضاء أو كبار العائلة لانتزاع الحقوق (النفقة والعلاج والتعليم) بالقوة إن لزم الأمر، فالحقوق لا تضيع بدعوى السحر.
إليك البيان الشرعي المفصل في هذه النقاط:
1. هل السحر عذر شرعي يرفع الإثم؟
الأصل في الشريعة أن التكليف مرتبط بوجود العقل والإرادة. والسحر في منظوره الشرعي والواقعي أنواع؛ فمنه ما يزيل العقل بالكلية (كالجنون)، ومنه ما يقتصر أثره على تخيلات أو ضيق نفس أو صرف وعطف دون سلب للإرادة.
* الحكم: إذا سلب السحر "الإرادة" بحيث صار الإنسان كالمجنون أو المكره الذي لا يعي ما يقول، فإنه يُعذر لقوله ﷺ: "رُفِع القلم عن ثلاثة... وعن المجنون حتى يفيق".
* أما إذا كان السحر مجرد "ميل قلبي" أو "ضيق": فلا يرفع الإثم في المظالم وحقوق العباد؛ لأن السحر لا يجبر الإنسان على الضرب أو القذف أو أكل أموال الناس بالباطل ما دام عقله معه.
2. متى يُحكم برفع القلم عن المسحور؟
يُرفع القلم عن المسحور في حالة واحدة فقط: أن يصل السحر إلى حد "الإغلاق"؛ وهو أن يغيب عقل الشخص فلا يدرك ما يصدر عنه، أو يفقد القدرة على التمييز بين النافع والضار، فيتصرف بلا وعي.
قال ابن عابدين في حاشيته: "المسحور إذا وصل سحره إلى ذهاب عقله فهو كالمجنون". أما إذا كان يبيع ويشتري ويدير تجارته بنجاح (كما في حالة الأخ المذكورة)، فهذا دليل قطعي على أن عقله حاضر وتكليفه قائم.
3. إدراك البعض دون البعض (انفصام التصرف)
هذه نقطة جوهرية؛ فمن كان كامل الإدراك في تجارته وحسابه وإدارته للأموال مع الغرباء، ثم يدّعي أنه مسحور في حق زوجته وأولاده فقط، فهذا لا يُعذر شرعًا.
* السبب: العقل مَلَكة لا تتجزأ في التكليف؛ فمن أدرك مصلحة ماله، أدرك قبح الظلم. وقسوة القلب هنا قد تكون بسبب "السحر" كنوع من الكراهية (سحر الصرف)، لكن "الفعل" وهو الضرب والمنع والحرمان هو قرار يتخذه المرء بإرادته. السحر قد يجعله يكره زوجته، لكنه لا يجبره على ضربها؛ فبإمكانه التسريح بإحسان.
4. حكم ما صدر منهما (العقوق والظلم)
ما صدر من الزوج (عقوق الوالدين) ومن الأخ (ظلم الزوجة والأبناء) هو كبيرة من الكبائر، ويأتي البيان كالآتي:
* عقوق الوالدين: حق الوالدين آكد الحقوق بعد حق الله، والمسحور الذي يدرك من حوله ويطيع زوجته في المنكر هو عاصٍ لله بترك الواجب (البر).
* ظلم الرعية: قال ﷺ: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت". فحرمان الأولاد من التعليم والعلاج مع القدرة المالية هو خيانة للأمانة، وسيحاسب عليها حسابًا عسيرًا.
5. المحاسبة يوم القيامة
ادعاء السحر ليس "صك براءة" تلقائيًّا يوم القيامة.
* الله عز وجل هو الحكم العدل، وسوف يزن بميزانه: هل كان هذا الشخص قادرًا على المدافعة ولم يفعل؟ هل كان قادرًا على التداوي والرقية الشرعية وفرّط؟
* إذا كان الشخص يجد من نفسه ميلاً للظلم بسبب السحر، وجب عليه شرعًا مدافعة هذا الميل. فإذا استسلم له وظلم، حُوسب على ظلمه؛ لأن السحر ابتلاء، والابتلاء يتطلب الصبر والمجاهدة لا الاستسلام والظلم.
6. الضابط الشرعي للتفريق (الوعي والتمييز)
وضع العلماء ضوابط دقيقة للتفريق بين المسحور المغلوب على أمره وبين المسيء:
1. الاختلال العام: المسحور المرفوع عنه القلم يظهر خلله في كل شؤونه، فلا يدرك مواقيت الصلاة، ولا يحسن التصرف في ماله، ويهذي في كلامه.
2. القدرة على الاختيار: إذا كان الشخص يختار أن يحسن للغرباء ويسيء لأهله، فهذا "تخصيص" يدل على وجود "إرادة"، والمغلوب على عقله لا يخصص.
3. العرض على الرقية والطب: إذا رفض التداوي وأصر على الظلم مع تنبيه الناصحين له، فهو مفرط والوعيد يلحقه. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: